عندما يفسد القضاء

عندما يفسد القضاء
  قراءة
property="content:encoded">

 

بُعيد الانتخابات الرئاسية، وتشكيل ما يُسمَّى بحكومة استعادة الثقة بأسابيع قليلة، اتَّصل بي رجل أعمال خليجي من ذوي الرساميل الكبيرة، هنَّأني وجميع اللبنانيين بالإنجاز المعجزة الذي تحقَّق في بلدي، بعد معاناة طويلة كادت أن تطيح بكل مقومات الدولة الواحدة، وأبلغني عن رغبته في زيارة لبنان والاستثمار فيه بمبالغ طائلة.

ورغم أنني أخالفه في تفاؤله، من موقعي الإعلامي المُتابع بدقة للأوضاع الداخلية في بلدي وللفلتان العام في كل مرافق الدولة، من هَدْر للمال العام إلى الفساد المستشري، الذي طال كل سلطاته، ولا سيما السلطة القضائية المعنية بشكل أساسي بتحقيق العدل والمساواة بين الناس، لم أجد بُدًّا من تشجيعه على هذه الخطوة، لعلها من وجهة نظري على الأقل تكون بمثابة مبادرة لتشجيع الاستثمارات العربية والخليجية على وجه الخصوص، لتساعد هذا البلد على النهوض من أزمته، وتساعد اقتصاده المترنِّح على الوقوف على رجليه، وعلى استعادة حيويته وعافيته ونموه.

منذ ذلك الاتصال من رجل الأعمال الخليجي، غاب عن السمع ولم أعد أعرف عنه شيئًا إلى أن دقَّ هاتفي قبل أسبوع، وكان هو نفسه على الخط، فبادرني قائلًا أعتذر منك، ومن جميع اللبنانيين عن عزوفي عن قراري بالاستثمار في بلدهم في مشاريع اقتصادية وإنسانية واجتماعية وتربوية، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يساعد شعبكم على جشع حكامه، وعلى إمساكهم بكل مفاصل الحياة فيه، لمنعه من النهوض من أزمته الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، بسرقة كل ثرواته، وحتى مدخراته، أو ما تبقَّى منها بعد الأزمات العاصفة المتلاحقة التي مرَّ بها، وسوف يستمر فيها إلى أن يسقط الهيكل على رؤوس الجميع.

فبلدكم لم يعد يستحق الحياة، ولا أحد من المتمولين والمستثمرين العرب وغير العرب، يمكن أن يوظِّف فلسًا واحدًا فيه في ظل هذه الفوضى العارمة التي لا مثيل لها في أي بلد آخر، حتى في تلك الدول التي يسمونها في عالم الاقتصاد العالم الثالث.

دهشت لكلام رجل الأعمال الخليجي الذي كنت لمست منه مدى حماسه الشديد للمجيء إلى لبنان والاستثمار فيه في مجالات عدة، ورحت أسأل نفسي، أما كان يدرك أن بلدي يعاني من الأزمات السياسية والانقسامات الطائفية والمذهبية ما ليس بخافٍ على أحد من العرب وغير العرب، وأيضًا، أما كانت وصلت إليه المعلومات الكافية عن الممارسات المشينة لأهل السلطة فيه، وعن فسادهم المستشري، وعن سرقة المال العام والهدر، وعن وعن… وما دام يعرف كل ذلك، فكيف تَشجَّع وجاء إلى هذا البلد للاستثمار فيه من دون أية ضمانات تُحافظ على أمواله المستثمرة.

وبعد تردد سألتُ رجل الأعمال هل السبب الرئيسي لعزوفك يعود إلى فساد أهل السلطة فحسب، أم ترى أن هناك أسبابًا أخرى أهم وأقسى.

لم يتردد رجل الأعمال، صاحب الاستثمارات الكبيرة في العديد من الدول العربية وغير العربية، في القول إنه خلال وجوده في العاصمة بيروت تسنَّى له عقد لقاءات متعددة مع معظم أرباب السلطة فيه، وعرض عليهم استعداده لتوظيف أموال طائلة في عدة مجالات تربوية وصحية واقتصادية أخرى.

وقد سمع من كل من التقاهم أثناء وجوده كلامًا واحدًا تقريبًا، معناه لم يرد أن يفهم ماذا ستكون حصة كل واحد في أي مشروع يريد إقامته، وبناء عليه تفتح أمامه كل أبواب التسهيلات، بما فيها تجاوز كل القوانين والأحكام لأن القضاء ممسوك ولا خوف منه، وهنا توقَّف رجل الأعمال الخليجي عن سرد قصصه التي لا تنتهي مع هؤلاء المتسلِّطين، وسألني هل تعلم لماذا صرفت النظر عن الاستثمار في بلدكم، وأنصح غيري بعدم توظيف أي فلس، وعندما أجبته بأن السبب هو فساد أهل السلطة.

أجابني بأسى: ليس فساد أهل السلطة هو السبب الذي جعلني أعزف عن الاستثمار في بلدكم، بل هو في مكان آخر، أي في السلطة القضائية، لقد علمتني تجارب الحياة ألَّا استثمر فلسًا واحدًا في أي بلد قضاؤه غير مستقل، ومرهون للطبقة السياسية، وهذا تمامًا ما اكتشفته في بلدكم بعد هذه القصة الطويلة.

بقلم: 
الدكتور عامر مشموشي - إعلامي لبناني
المصدر: 
اللواء اللبنانية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات