الفساد في الأردن عصيٌّ على الحل

الفساد في الأردن عصيٌّ على الحل
  قراءة
property="content:encoded">

 

 

لا يكاد يمر أسبوع واحد إلا وتجد الكثير من الفعاليات النخبوية التي تنادي بمكافحة الفساد واستئصال شأفته في الأردن إضافة إلى الكم الهائل من الدعوات المتكررة على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تنادي بالقضاء على الفساد والتخلص منه، إذ يقدر بأن الفساد كلف الأردن 10 مليارات دينار في آخر عشر سنوات أي ما يساوي 37% من المديونية الأردنية والتي بلغت 27 مليار دينار وأصبحت تشكل 95% من الناتج المحلي الأردني متجاوزة بذلك الحد الأقصى المسموح به عالميًّا كما تشير التقارير، إلا أن ما تم اتخاذه من إجراءات لمكافحة الفساد وما تم استرداده لا يساوي شيئًا يذكر أمام هذا الرقم الذي أثقل كاهل الدولة ويهددها بالفشل الاقتصادي.
 
(1) 
أين تكمن المشكلة في مكافحة الفساد في الأردن؟

أولًا: بيئة تشريعية رخوة، لا شك بأن بعض نصوص الدستور الأردني تشكل عائقًا وعقبة كؤودًا أمام القضاء على الفساد، إذ ينص الدستور الأردني على أنه لا يجوز تقديم أي وزير أو رئيس وزراء للمحاكم عن الجرائم والمخالفات التي وقع بها الوزير أثناء تأديته منصبه إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب الذي يحق له فقط اتخاذ قرار باتهام الوزير إذا وجد أن في أعماله ما يخالف القانون.

وفي حال قرر المجلس اتهام الوزير يتم محاكمة الوزير أمام المجلس العالي والذي يتم تشكيله بشكل مختلط من أعضاء مجلس الأعيان -المعين من الملك- وقضاة نظاميين هذا النص دستوري يشكل حاجزًا ويكف يد القضاء والعدالة عن ملاحقة فساد الطبقة التي تحكم سواء أثناء عملها أو بعد مغادرة مناصبها، إذ إنه لم يصدر مجلس النواب قرارًا بمحاكمة الوزراء إلا مرتين على مدار تاريخ الدولة الأردنية مرة في عام 1989 ومرة أخرى في عام 2011 كما أنها لم تصدر أحكام إدانة بحق الوزراء الذين تم اتهامهم من قِبل المجلس.

كما ينص الدستور الأردني على الجواز للنائب أن يكون شريكًا في الشركات التي يزيد عدد المساهمين أو المالكين للحصص فيها عن عشرة أشخاص فسمح هذا الاستثناء للسلطة التشريعية بممارسة التجارة بشروط يسهل تحقيقها فنتج بهذا النص باب للتزاوج الحقيقي بين فساد السلطة التشريعية وفساد السلطة التنفيذية، وهذا ما كشفه تحقيق صحفي لراديو البلد في نهاية 2016 والذي كشف الغطاء عن مشاريع إنشائية يتم ترسيتها من قِبل الحكومة إلى شركات يمتلكها نواب وأصولهم وفروعهم.
 
ثانيًا: جعل القانون "هيئة مكافحة الفساد المُشكَّلة عام 2005 وبعد ذلك النزاهة ومكافحة الفساد المُشكَّلة عام 2015" هي الجهة المختصة بالتحقيق بقضايا مكافحة الفساد قبل تحويلها إلى القضاء، إذ ترأس هذه الهيئات جنرالات عسكرية ليس لديهم أي خبرات قضائية أو قانونية سابقة في هذا المضمار، وهو أمر كان الأصل أن يكون من اختصاص محكمة مختصة خاصة بـ "مكافحة جرائم الفساد" تكون تابعة للقضاء المدني ويكون لها هيئة ادعاء عام وضابطة عدلية يكون من مهمتها تعقب جرائم الفساد والتحقيق فيه ومحاكمته.
 
ثالثًا: في الأردن هناك بيئة وظيفية واجتماعية حاضنة للفساد إذ إنه رغم الضرر الكبير الذي يهدد الدولة ويهدم أمنها الاقتصادي وما يترتب عليه من خلل في الأمن على كافة الأصعدة إلا أن الناظر المتفحص للفساد يجد أنه يحظى بشبكة علاقات اجتماعية حاضنة له، إذ إن كثيرًا من المسؤولين الأردنيين يرتبطون بعلاقات قرابة ومصاهرة فيما بينهم مما يجعل هناك حزام أمان يحمي من يمارس الفساد من المحاكمة أو أن تطاله يد العدالة والقضاء.

كما أن الفساد في الأردن يتمتع ببيئة اجتماعية حاضنة من الشعب، إذ إن المسؤول الذي يمارس الفساد لا يلاقي صدًّا ومحاربة من البيئة الاجتماعية المحيطة به بل على العكس من ذلك نجد أن البيئة الاجتماعية تحاول أن تتقرب من هؤلاء لتنال جزءًا من مغانم هذا الفساد وجلب بعض المنافع بما يحقق لهم بعض المكاسب المادية، إضافة إلى أن هناك غيابًا لثقافة اجتماعية حقيقية تساهم في مكافحة الفساد والتعاون مع الجهات المختصة والتي لا يعلم كثير من الناس عنها أو حتى عن اسمها وتشكيلاتها غالبًا.
 
رابعًا: في الأردن الحياة السياسية الحقيقية شبه معطلة إذ يوصف الإصلاح السياسي بأنه أبو الإصلاح فمتى ما توفر الإصلاح السياسي توفر الإصلاح الحقيقي في كل المجالات وعلى رأسها الإصلاح الاقتصادي، الحياة السياسية الحقيقية في الأردن تكاد تكون متوقفة مقارنة بالأنظمة السياسية الحديثة فلا حكومة منتخبة من قبل الشعب ولا برلمان يمثل إرادة الشعب نتيجة للقوانين المصممة بطريقة تضمن فرز مجالس تمثل توجه السلطة التنفيذية، كما أن السلطة القضائية لا زالت ترتبط بوزارة العدل مما يجعل السلطة التشريعية والسلطة القضائية في تبعية نسبية للسلطة التنفيذية.

(2) 
من أين يبدأ الحل؟

لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد إلا بإصلاح المنظمة التشريعية المترهلة التي استطاع الفساد أن يجد بها الثغرات الحقيقية وولج من خلالها وتتمثل بعض تلك الإصلاحات بالأمور التالية: 
- استحداث نص في الدستور ينص على تشكيل محكمة خاصة بمحاربة جرائم الفساد تشكل بقانون خاص تكون تابعة للمجلس القضائي المدني ولها دائرة ادعاء عامّ ويتبعها ضابطة عدلية مختصة تكون مهمتها تلقي الشكاوي وتعقب الفساد وجمع الأدلة للتحقيق فيه ومحاكمته وإلغاء صلاحية القضاء العسكري -محكمة أمن الدولة- في النظر في الجرائم الاقتصادي وتحويل هيئة النزاهة ومكافحة الفساد إلى دائرة ضابطة عدلية تكون مهمتها في موضوع مكافحة الفساد محصورة فقط في تلقي الشكاوي وتعقب الفساد وجمع الأدلة دون أن يكون لها سلطة التحقيق وتكون تابعة لمحكمة مكافحة الفساد ولسلطانها.

- إلغاء النص الدستوري الذي يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب حتى يتم إحالة الوزير على المحاكمة وإلغاء تلك الحصانة التي أصبحت درعًا يلوذ به من يمارس الفساد.
 
- إلغاء الاستثناء بالنص الدستوري الذي يبيح لأعضاء لسلطة التشريعية ممارسة التجارة وذلك لمنع أعضاء السلطة التشريعية من ممارسة أي أعمال تجارية أو تأسيس مؤسسات أو شركات أو المساهمة فيها بجميع أنواعها وأغراضها أثناء شغلهم وبعد مغادرة مناصبهم لخمس سنوات على الأقل.

- العمل إعلاميًّا ودينيًّا على صناعة الضمير والوعي المجتمعي بخطورة الفساد على استمرارية الدولة ومستقبل أجيالها ومحاصرة هذا السلوك ونبذه.

- إطلاق حياة سياسية توافقية راشدة فيما بعد ذلك وفقًا للمعايير العالمية للحياة السياسية الناضجة يتم بها فصل السلطات وسيادة القانون فالإصلاح السياسي الخطوة الأولى على طريق تحقيق الإصلاح في كل مناحي الإصلاح الأخرى.
 
لا شك بأن هناك من سيقاوم السير على طريق الإصلاح ومكافحة الفساد، لكن تستطيع النخب ويستطيع الشعب تحقيق ما يريد إذا ما استطاع تشخيص الواقع كما هو بدون مبالغة، وكانت أهدافه واضحةً وواقعيةً ووسائله مشروعةً ومتفقًا عليها وبرامجه الزمنية ظاهرة ومتفقًا عليها، وأجندته وطنية يلتف حولها ويثق بها الجميع.

بقلم: 
محمد نواف العودات - كاتب وحقوقي أردني
المصدر: 
مدونات الجزيرة

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات