عن صفقة القرن أو الحل الإقليمي

عن صفقة القرن أو الحل الإقليمي
  قراءة
property="content:encoded">

فضلًا عن ترامب الذي أخذها منهم، أَكْثَرَ القادةُ الصهاينة خلال المرحلة الأخيرة من استخدام مصطلح "الصفقة الإقليمية"، وهو ما سبق فوز ترامب، الذي فتح الباب على مصراعيه للأحلام الصهيونية الكبرى، تلك التي عوَّلوا عليها بعد أوسلو، وانتهت بمواجهة انتفاضة الأقصى بعد قمة كامب ديفيد، صيف العام 2000، ثم عوَّلوا عليها بعد احتلال العراق كمفتاح لـ"إعادة تشكيل المنطقة" على مقاسهم، الأمر الذي انتهى إلى الفشل أيضًا.

ولكن ما الصفقة الإقليمية التي يعنيها الصهاينة؟ والتي أخذت تسمية جديدة خلال الأيام الماضية هي "صفقة القرن".

يعتقد هؤلاء، وربما لهم بعض الحق أن هناك وضعًا عربيًا التقى معهم بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، وفيما يشبه التحالف على ملفين مهمين، يتمثل الأول في المواجهة مع ربيع العرب وإجهاضه، وتبعًا له ما يعرف بالإسلام السياسي الذي تصدَّر ذلك الربيع، وصارت مطاردته هاجسًا عند البعض. أما الملف الثاني، فهو ملف المواجهة مع إيران.

نفتح قوسًا لنشير إلى أن العرب الذين يأمل الصهاينة في ضمهم للحلف الإقليمي ليسوا سواء، إذ هناك من هاجسه هو الإسلام السياسي، وهناك من يرى إيران هي الهاجس، وهناك من جمع الاثنين معًا، لكن النتيجة أنه لقاء على ملف بالغ الأهمية بالنسبة للبعض، أو ملفين بحسب البعض الآخر.

يدرك الصهاينة تمامًا أن تسوية مع الفلسطينيين بشروطهم لا تبدو ممكنة بحال، فلم يتوفر ذلك الزعيم الفلسطيني الذي يقبل بدويلة بائسة بلا قدس ولا سيادة، وعلى أقل من نصف أراضي 67، وليس جميعها، وبالتالي، فالمطلوب هو تطبيع العقل الفلسطيني والعربي على قبول الحل المأمول، ولكن بطريقة تدريجية، وذلك من خلال ما يعرف بالحل الانتقالي الذي يؤجل القضايا الجوهرية الكبرى إلى أمد بعيد، والحديث قبل ذلك عن التعاون والاستثمار وتحسين شروط الحياة، وليغدو النزاع بعد ذلك مجرد نزاع حدودي بين دويلة قائمة، وبين دولة الاحتلال، والنزاعات الحدودية يمكن أن تستمر لعقود طويلة، وقد لا تحل أيضًا، وبوسع كل طرف أن يقول لجمهوره إنه متمسك بالثوابت!!

مثل هذه الصفقة تحتاج لقوة دفع عربية، وربما لقوة ضغط، وهذا هو أحد أسرار الضغط على محمود عباس الذي يرفض "الحل المؤقت"، لأن حاضنته الحزبية لا تحتمله، وستغدو عارية أمام الجمهور الفلسطيني في حال قبولها له، لكنه يكرّسه واقعًا من خلال السلطة التي تتمدد من حيث الصلاحيات وهياكل الدولة، مع رفض جدي للمقاومة، التي باتت شكلًا من أشكال المس بالأمن والاستقرار في خطاب حكومته وأجهزته الأمنية!!

هل يتورط القوم في هذه الصفقة، ويضغطون على عباس لقبولها علنًا، بعد تكريسها واقعًا بسياساته، ومن ثم يشرعون الأبواب أمام مسارات التطبيع؟ لا يمكننا الجزم بذلك، وهي ليست مرجحة، لكن إذا وقع المحظور فإن المتورطين سيجدون أنفسهم وجهًا لوجه أمام الجماهير في كل مكان، حتى لو كانوا آمنين لبعض الوقت بسبب الظروف الإقليمية الراهنة.

بقي أمر مهم حتى لا تنتفخ أوداج البعض، ذلك أن هذه الجريمة إن وقعت ليست بعيدة عن يد خامنئي الذي أشعل هذا الحريق في المنطقة، ووفر الأجواء لها، ربما أكثر من الثورة المضادة عربيًّا، من دون أن يربح، لا هو ولا حلفاؤه، مع كسبهم لعداء غالبية الأمة.

الخلاصة أنها "صفقة القرن" فعلًا لو تمت، لكن قضية فلسطين كانت دائمًا عصية على التصفية، فهناك شعب جاهز للتصدي، ومن ورائه جماهير عريضة (عربية إسلامية) في طول العالم وعرضه، تراها قضيتها المركزية.

بقلم: 
ياسر الزعاترة

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات