هكذا هاجم الأسد ترامب.. ماذا الآن؟

هكذا ترامب هاجم الأسد. ماذا الآن؟
  قراءة

بعد ست سنوات من ارتكاب أعمال العنف المفرطة والمستهترة ضد شعبه، شهد نظامُ بشار الأسد أولى لسعات العدالة صباح يوم الجمعة في سوريا، حيث استهدف 59 صاروخ توماهوك أمريكيًّا قاعدة الشعيرات الجوية الحيوية الاستراتيجية في وسط البلد، حيث كانت الطائرات الحربية السورية، وحظائر الطيران، ومرافق التزود بالوقود من بين أهداف أول هجوم أمريكي صريح على نظام الأسد.

وكانت هذه استجابة مبرَّرة ومتناسبة وضرورية لما ارتكبه من جرائم حرب صارخة ارتكبت قبل ثلاثة أيام، عندما أسقطت طائراتٌ مواد كيميائية على مناطق سكنية في خان شيخون، وهي بلدة تقع في شمال غربي سوريا، كما فَقَد الرجال والنساء والأطفال على حد سواء السيطرة على عضلاتهم، وأصيبوا بتشنجات لا يمكن السيطرة عليها، مع خروج رغوة من الفم والأنف، وهرع الموظفون في حالات الطوارئ والطواقم الطبية إلى مكان الحادث.

ولقى 87 شخصًا على الأقل مصرعهم، وأصيب أكثر من 300 آخرين، وكان هذا مجرد أحدث هجوم من بين عشرات الهجمات الكيميائية التي شنَّها نظام الأسد منذ عام 2012، وأسوأها قَتَل أكثر من 1400 شخص شرقي دمشق في آب/أغسطس 2013.

كان عملًا شنيعًا في عام 2013، الذي جرى في إطار قصر الرئيس الأسد نفسه، الذي عبر بشكل مشهور الخط الأحمر للرئيس باراك أوباما، الذي أعلن عنه آنذاك، وقد أدى هذا الهجوم نفسه إلى قرار أوباما اللاحق بالابتعاد عن استخدام القوة، لصالح اتفاق توسطت فيه روسيا لإزالة مخزونات الأسلحة الكيميائية في سوريا بكاملها، وهي الخطوة التي أغضبت حلفاء أمريكا من العرب، وأدت إلى إنهاء فعلي لأي جهود أمريكية محتملة لتهديد حكم الأسد، وبهذه الاتفاقية أصبح الانتماء العلني مع الولايات المتحدة علامة قاتلة بالنسبة للمعارضة سياسيًّا، وباتت جماعات المعارضة المعتدلة تسعى إما لإخفائها أو حلها.

إن الأحداث الأخيرة لم تُظهر فقط الفشلَ الواضح وإلغاء ذلك الاتفاق من قِبل نظام الأسد، ولكن وجود القوات الروسية، وربما الطائرات أيضًا في قاعدة الشعيرات الجوية يبدو أنه يشير إلى أن روسيا لم تكن على علم فقط بأن الأسد احتفظ بجزء من الأسلحة الكيميائية، ولكن قد تكون أيضًا في وضع يمكنها من منع استخدامه.

إدارة ترامب الوليدة قررت أنه من الضروري الرد على هذا العمل الإجرامي الأخير، وهو ما يمثل نقطة تحول مهمة في الأزمة السورية، رغم أن الآثار الدقيقة لا يزال يتعين أن يُنظر إليها، في هذه اللحظة لا يزال هجوم الصواريخ كروز على الشعيرات عملًا عقابيًّا معزولًا، وتحذيرًا للأسد ورعاته من أن جرائم الحرب الصارخة ستُواجه الآن عواقب عسكرية، وتقع على عاتق إدارة ترامب الآن مسؤولية كبيرة لضمان الحفاظ على "الخط الأحمر" المفروض.

وأشارت تقارير عن هجمات الكلورين المحلية على مناطق المعارضة في دمشق في وقت لاحق، إلى أن هذا الخط الجديد قد يتم اختباره في وقت أقرب مما كان متوقعًا، فالعمليات العسكرية العقابية هي شكل واضح من أشكال الردع التي لن تعمل إلا إذا كانت الانتهاكات الأخرى تفي بنفس الاستجابة أو رد مماثل.

وهناك دينامية أساسية في هذا الصدد، تتعلق بروسيا، التي حذَّرت من خطط الولايات المتحدة لمهاجمة الشعيرات، ولكن وجودها الكامل في سوريا يعتمد على دعم الأسد وتغطية أعماله الإجرامية.

في أعقاب الهجوم الكيميائي على خان شيخون مباشرة، اضطرت روسيا إلى إلقاء قصة غير منطقية، كل جانب من جوانبها يمكن دحضه بسرعة أو رفضه، كما سخر منها كل من الخبراء والصحفيين على الأرض.

ومع قيام المخابرات الأمريكية بالتحقيق فيما إذا كانت روسيا قد تورطت في استخدام الأسلحة الكيميائية في خان شيخون، فإن خطاب روسيا الراسخ، والتحدث عن التهديدات يكاد يكون مؤكدًا لتورطها، لعدم وجود خيارات لها، وحقيقة أنها تجد نفسها مضطرة لحماية عمياء لجهات عالمية مثل إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا.

وبعد أن نفَّذت الولايات المتحدة عملًا عسكريًّا، لديها فرصة لاستغلال نفوذها الجديد، حيث تركت الصراع السوري وحده، منذ سنوات عديدة، متبقيًّا، لكن عواقبه تستمر في التدهور، حيث لقي ما يقرب من 500 ألف سوري حتفهم و11.3 مليون آخرين إما مشردين داخليًّا أو لاجئين، وقد حققت الجهود العسكرية ضد تنظيم الدولة نجاحًا كبيرًا، إلا أن الإرهاب لا يزال أحد الأعراض العديدة لأزمة أوسع نطاقًا، والسبب الجذري الوحيد الذي لا يزال قائمًا هو نظام الأسد، وببساطة لا توجد طريقة لتجاهل ذلك الواقع.

فماذا الآن؟ الأسد لا يستطيع ولن يحكم سوريا مرة أخرى موحدة، ولكن التقسيم ليس جوابًا. إن التدخل الأجنبي من أجل التغيير السريع في النظام لا يعِد إلا بفوضى أخرى، لكن التصعيد والتهديد القوي مع تحرك للجهات الفاعلة على الأرض السورية مفيد، وقد يؤدي في النهاية إلى عملية تفاوض، وهذا أمر لم يفهمه أوباما أبدًا، فقد فشلت جهوده في السلام لأنه رفض أن يلجأ إلى التهديد بالحرب، وتهاونه أدى إلى زيادة شعور نظام الأسد بالحصانة، وجعل يده حرة في قتل شعبه بشكل جماعي.

ولا شك في أن إحلال السلام في سوريا يتطلب مزيدًا من التعزيز للموقف الأمريكي تجاه الوضع السوري وروسيا وإيران والدول الأخرى المعنية، المزيد من الضربات العسكرية وغيرها من أعمال الدبلوماسية الحازمة سيكون حتميًّا، ولكن الشيء الواضح الآن هو أن الولايات المتحدة لديها المزيد من حرية العمل في سوريا، على عكس ما كانت عليه في ظل إدارة أوباما.

وسواء كانت ضربة القذائف الصاروخية، يوم الجمعة، جزءًا من استراتيجية أكثر شمولًا أم لا، فإن عواقب العمل العسكري تتطلب الآن اهتمامًا استراتيجيًّا أوسع نطاقًا، وسيجري اختبار سياسة الاحتواء والردع الأمريكية الجديدة.

وكما أوضحت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة: "نحن على استعداد لبذل المزيد من الجهد"، فيجب دعم هذه التصريحات عن طريق العمل، إذا لزم الأمر.

الأسد وروسيا وإيران وحزب الله ليسوا على وشك التخلي عن القتال، ولكنهم يتعاملون الآن مع مجموعة مختلفة من التقييمات، لقد ولَّت أيام العمل مع الإفلات من العقاب، وأعمالهم الآن تحت المجاهر المتعددة.

كما يجب على الولايات المتحدة أن تسعى الآن إلى إشراك وإدارة حلفائها في المنطقة، ولاسيَّما تركيا، التي يبدو أنها تعتنق موقفًا أكثر تأييدًا للمعارضة، بعد أسابيع فقط من استئناف إمدادات الأسلحة إلى جماعات المعارضة في شمال غربي سوريا.

إن البنتاغون، الذي ينظر إلى عمليته الوشيكة لاستعادة الرقة -عاصمة خلافة داعش المتناقضة- كأولوية قصوى، يخشى أن ينتقل إلى مهمة أوسع تتمثل في استقرار سوريا نفسها.

بقلم: 
تشارلز ليستر
المصدر: 
بوليتيكو ماغازين الأمريكية / ترجمة الدرر الشامية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات