كارثة إنسانية تهدد شرقي سوريا

كارثة إنسانية تهدد شرق سوريا
  قراءة

باتت حالة الخوف والفزع هي التي تتصدر المشهد في سوريا، وخاصة في محافظة الرقة، بعد تداول تقارير أصدرتها عدة جهات محلية ودولية عن انهيار وشيك لسد الفرات، وغمره لمساحات شاسعة من الأراضي بالمياه، وما ينتج عن ذلك من كوارث لا تقتصر على الماديات، بل تشمل وقوع مئات الآلاف من المدنيين ضحايا، لذلك هذا الأمر يطرح عدة تساؤلات، أهمها حقيقة الحالة العامة للسد، وهل انهياره بات قريبًا، أم أن الأمر لا يتعدى الشائعات، وما موقف الجهات المحلية والمتصارعة على أطرافه، وما الإجراءات المطلوبة لمنع وقوع هذه الكارثة؟

سد الفرات "موقعه وإنشاؤه وأهميته"

يقع سد الفرات ويسمى أيضاً سد الطبقة على نهر الفرات في مدينة الطبقة أو "مدينة الثورة"، الواقعة 50 كم غربي مدينة الرقة، ويبلغ طول السد أربعة نصف كم، وارتفاعه 60 مترًا، كما يبلغ حجمه 41 مليون متر مكعب، والجناح الأيسر للسد طوله 150 مترًا، وارتفاعه 15 مترًا، وقد بُني بين السد الرئيسي والجناح الأيسر "المفيض" ذي الارتفاع 75 مترًا، وطاقة تصريفية للمياه تصل إلى 19 ألف متر مكعب بالثانية، وهو مندمج مع المحطة الكهرومائية، ويتألف من ثماني فتحات مزودة ببوابات حديدية أمامية وخلفية قوسية، عرض الواحدة منها 15 مترًا، بارتفاع 14 مترًا.

أما بالنسبة للمحطة الكهرومائية، فهي جزء أساسي من السد، وتقع على الضفة اليمنى، وهي أكبر محطات توليد الكهرباء في سوريا، حيث تصل استطاعتها الإجمالية لـ880 ميغاوات، وبإنتاج سنوي من الطاقة يبلغ مليارين ونصف المليار كيلوواط/ساعة، كما يوجد على المدخل الشمالي "الأيسر" قناة البليخ لموازنة تصريف المياه وتخفيف الضغط على السد، وتستخدم لأغراض الري أيضًا.

ويحتجز السد خلفه بحيرة تبلغ طاقتها التخزينية 14 مليار متر مكعب من المياه ويبلغ طولها 80 كم وعرضها 8 كم ومساحتها 642 كم2، وقد بدأ التخزين فيها عام 1973، وتعتبر من أهم موارد الثروة السمكية في سوريا.

فكرة بناء السد طرحت عام 1955، وتوقفت خلال الوحدة السورية المصرية، بعد ثلاث سنوات، ليتجدد العمل بها عام 1962 بعد توقيع اتفاق مع السوفييت لإقامة سد تخزيني في الطبقة، إلا أن عملية البناء لم تبدأ فعليًّا إلا عام 1970، بعد إحداث وزارة تتولى قيادة العمل وتنفيذه، حيث تم إنجاز مشروع السد على عدة مراحل، وانتهى بعد تسع سنوات.

ماذا يعني انهيار السد؟

فقد النظام السوري سيطرته على السد في شهر فبراير/شباط 2013، بعد سيطرة الفصائل الثورية على مدينة الطبقة، وقد تعرَّض السد في ذلك الوقت إلى قصف من قبل النظام، إلا أن الفصائل عملت على تأمين حماية كاملة للخبراء والفنيين، وعملوا على إصلاح الأضرار، وانتقلت السيطرة إلى تنظيم الدولة بعد هيمنته على كامل المنطقة في نهاية العام نفسه، وفي الوقت الحالي شهدت منطقة السد اشتباكات عنيفة بين تنظيم الدولة وميليشيات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، ما تسبب بحدوث أضرار في جسم السد وغرفة التحكم دون معرفة حقيقة خطورتها.

إلا أنه وقبل قرابة الشهر حذَّرت الأمم المتحدة من حدوث فيضان كارثي في سوريا، جراء ارتفاع منسوب مياه الأمطار لهذا العام من جهة، وحدوث أضرار في السد نتيجة الضربات الجوية للتحالف الدولي، وعزز ذلك رواية تنظيم الدولة، الذي أشاع عن قرب خروج السد عن الخدمة، وتوقف كافة بواباته الحديدية عن العمل، نتيجة تضررها من القصف، كما حذر من انهياره.

تقرير الأمم المتحدة: إمكانية الانهيار الوشيك لسد الفرات تعود إلى  أعمال التخريب المتعمد من قبل تنظيم الدولة وغياب أعمال الصيانة الضرورية، بالإضافة إلى غارات التحالف الدولي والهجمات التي تشنها قوات سوريا الديمقراطية

يعتبر موضوع السد مسألة دقيقة وذات أهمية بالغة، خاصة أن انهياره سيضع حياة أكثر من ثلاثة ملايين شخص في دائرة الخطر، فضلًا عن التهديد الذي سيطال معظم مناطق جنوب شرقي سوريا، كما أن انهياره سيؤدي إلى غرق المحطة وفقدانها، أي أنه سيتم فقدان التحكم ببوابات المفيض، فضلًا عن غرق ضفاف النهر بشكل كامل، والقضاء على الثروة الحيوانية والنباتية، والقضاء على 80 بالمئة من الثروة النفطية، وطمس جميع المعالم الأثرية الواقعة بين مدينة الرقة والحدود العراقية، وأهمها حلبية وزلبية وتل الحريري والصالحية.

ردود الأفعال المحلية والدولية

تنظيم الدولة: ذكرت وكالة أعماق التابعة للتنظيم عن مصدر في ديوان الخدمات خروج سد الفرات عن الخدمة، نتيجة انغلاق جميع البوابات بفعل الغارات الجوي والمدفعية الأمريكية، ما أسفر عن توقف عمل السد وانقطاع التغذية الكهربائية الذاتية له، وخروج جميع تجهيزات وأقسام السد عن العمل بشكل كامل، وحذر التنظيم من انهيار السد في أي لحظة، نتيجة ارتفاع منسوب المياه، وعدم القدرة على إرسال ورشات الصيانة.
 

ميليشيات سوريا الديمقراطية: تفاعلت الميليشيات مع قضية انهيار السد، وأعلنت إيقاف العمليات العسكرية في المنطقة لمدة أربع ساعات يوم أمس الاثنين 27 / 3 / 2017، كما سمحت لفرق الصيانة بالدخول إلى المضخة، إلا أن هذا التفاعل اعتبره خبراء ومهندسون غير حقيقي، وخاصة عند إعلان الميليشيات استئناف العمليات العسكرية بالمنطقة، بعد تقرير ذكرته نقلًا عن فرق الصيانة التي سمحت لهم بالدخول بعدم تعرض السد لأي أضرار.

المجلس المحلي لمحافظة الرقة: نفى محمد حجازي نائب رئيس المجلس المحلي للرقة ما ذكره تنظيم الدولة عن قرب انهيار السد، معتبرًا أن هذا الأمر هو دعاية كاذبة، تهدف إلى غايات وحسابات خاصة بالتنظيم، مؤكدًا أن منسوب الماء لا يزال أقل من المعدّل الطبيعي، وأن ارتفاع المنسوب لا يعني انهيار السد المُصَمَّم لتحمّل منسوب فوق الطبيعي، مشيرًا إلى أن هناك بالفعل أضرارًا قد لحقت بالتجهيزات الميكانيكية الخاصة بالسد، إلا أن هناك بوابة يدوية يمكن فتحها لتصريف الماء، كما أن التصميم الهندسي للسد يمنع انهياره بشكل كامل، حتى لو أصابته أضرار.

نقابة المهندسين الأحرار: عززت رواية المجلس المحلي للرقة البيان الذي صدر عن نقابة المهندسين الأحرار، الذي أكد أن السد مُعَدّ وفق معايير هندسية استخدمت فيها كل الاحتياطات وعوامل الأمان، وأن ما ذُكر من أنباء حول احتمال انهيار السد "ما هي إلا أساليب خبيثة من قِبل مشغلي النظام السوري بهدف تهجير سكان حوض الفرات في سوريا والعراق، وتغيير ديموغرافية المنطقة".

مهندسون وعاملون في سد الفرات: البيان الذي صدر عن المهندسين المختصين في سد الفرات يبدو أكثر وعيًا وإدراكًا مما سبقه من بيانات من أطراف أخرى، فقد طالب المهندسون باتخاذ خطوات جدية تتناسب مع حجم الخطر المحدق بالمنطقة، معتبرين أن مهلة وقف إطلاق النار لأربع ساعات التي أعلنتها ميليشيات سوريا الديمقراطية غير كافية لإجراء أي عمليات صيانة أو إصلاح، كما نوهوا بأن غرفة العمليات المسؤولة بشكل مباشر عن قيادة مجموعات التوليد من "تشغيل وإيقاف ووصلها مع الشبكة" محترقة، بخلاف ما صرَّحت به ميليشيات، وهي خارجة عن العمل كليًّا، ما يعني فقدان السيطرة على قيادة المحطة، وعدم إمكانية رصد تجهيزات المحطة من مضخات وعنفات من مناسيب مياه وزيوت في الخزانات".

وأضاف المهندسون أن خروج غرفة العمليات عن العمل سيؤدي إلى غرقها بسبب توقف مضخات نضح المياه بداخلها، وبذلك نكون قد خسرنا الغرفة بشكل كامل، وتم فقدان التحكم ببوابات "المفيض".

مقتل مدير سد الفرات "أحمد الحسين" وأحد فنيي المحطة يوم أمس الاثنين خلال محاولتهما العمل على صيانة السد ورفع بوابة المفيض

وبالعودة إلى مهلة وقف إطلاق النار أمس، أكد المهندسون أن "إعطاء مهلة أربع ساعات لإصلاح الضرر الكبير الحاصل في سد الفرات غير كافية نهائيًّا للعمل، أو حتى لتقييم الضرر بسد الفرات؛ حيث تحتاج هذه الورش الفنية إلى ما لا يقل عن ثمانية وأربعين ساعة على الأقل، لاجتماع الكادر الفني المتخصص؛ لأن معظم الكادر غير موجود وغادر المدينة بسبب القصف والمعارك التي تجري في المنطقة، ووجودهم بهذه السرعة شبه مستحيل، وعند اكتمال وجودهم واجتماعهم بكافة الاختصاصات الكهربائية الميكانيكية يلزم وقت إضافي أيضًا لدخولهم وتقييم حجم الضرر، وإيجاد حلول طارئة وبديلة بعد الكشف طبعًا، وهذا يلزمه وقت لإحضار المعدات اللازمة أيضًا وفقًا للضرر الناتج وحجمه".

مهندسو السد يطالبون المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته واتخاذ قرار بوقف الأعمال القتالية لتجنيب سوريا كارثة إنسانية تتمثل بمقتل ملايين المدنيين

التحالف الدولي: استبعد التحالف الدولي أمس الاثنين حدوث أي انهيار لسد الفرات في الوقت الحالي، إلا أن ذلك قد يتم في حال تعرض السد لهجمات من تنظيم الدولة، مؤكدًا أن طائرات التحالف لم تستخدم أي متفجرات ذات قوة تدميرية كبيرة بالقرب من السد.

التحالف الدولي: "قوات التحالف لم تستعمل متفجرات ذات قوة تدميرية كبيرة في عملياتها بالقرب من السد"، مشيرًا إلى أن "السد ليس في خطر عاجل طالما أنه لم يتعرض لهجوم من تنظيم داعش". 

التوصيات والإجراءات لمنع وقوع الكارثة

أصدر مهندسو وخبراء سد الفرات عدة توصيات لتنفيذها بشكل فوري، لمنع تطور أضرار السد، ومنع حدوث الانهيار، وأهمها وقف العمليات العسكرية والتنسيق مع الحكومة التركية من أجل تخزين المياه القادمة من أراضيها، ضمن بحيرات سدودها، ريثما يتم حل المشكلة وتوفير المولدات المناسبة لتغذية الرافعة الإطارية في أعلى المحطة، لرفع بوابات المفيض، وتأمين مولدة ديزل 500KVA ووضعها بجانب الرافعة الإطارية، وتأمين مولدة 200KVA لتغذية بوابات مأخذ الري وإيجاد ممرات إنسانية آمنة تتيح للعاملين والفنيين الدخول لرفع بوابات المفيض.

الخاتمة

يبدو أن الأطراف المتصارعة بالقرب من مدينة الطبقة لم تتخذ إلى الآن إجراءات حقيقية ترقى إلى مستوى الحدث، في ظل تأكيد المهندسين الخبراء في بيانهم على أن هدنة صغيرة لمدة 4 ساعات فقط ليست كافية لإعادة تشغيل السد، كما أن عدم اتخاذ خطوات فعلية تتعلق بتقليل نسبة الماء المتدفق أو قطعها نهائياً تنذر بالفعل بوقوع ما لا يحمد عقباه.

المصدر: 
الدرر الشامية

تعليقات