نسبيّة "حزب الله" وطريق التحول العراقي

نسبيّة"حزب الله"وطريق التحول العراقي
  قراءة
property="content:encoded">

هناك طريقتان لا ثالثة لهما للتفكير في الجدل القائم في لبنان منذ أشهر حول قانون الانتخابات النسبي: إمَّا أن نعتبر أن ما يحصل لا يعدو كونه بحثًا في حلّ تقني من قبل بعض اللاعبين السياسيين مثل "التيار العوني" و"حزب الله" الذين تتملَّكهم ولأسباب غامضة نوازع غيريّة، قِوامها "صحّة تمثيل جميع الأطراف" في نظام اجتماعي-سياسي يستبطِن الجميع فيه تعبير "صحّة التمثيل"، للتدليل على رغبتهم في زيادة حصّتهم من السلطة والمكاسب. وإمّا أن نفكّر بشكل مغاير، وتحديدًا عبر ربط ما يحصل في الداخل بالتغيّرات الحاصلة في الإقليم من حولنا، حيث يعتبر هؤلاء اللاعبون السياسيون أن من حقّهم تثمير مراهاناتهم حول ما يعتبرونه انتصارًا ساحقًا للمخططات الاستعمارية الإيرانية في الوطن العربي، في حسابات كهذه يصبح مفهومًا أن يفتخر كاتب من اليسار الملتحق بإيران في لبنان عن كون "حزب الله" هو "رافع مطلب إقرار نظام النسبيّة".

وفي حين أن نقاشات تقنيّة تقف وراء قبول أو رفض مقترحات القوانين الانتخابيّة من هذا أو ذاك، لكن هذا لا يلغي المسألة الأهم، ألا وهي التفكير بالعواقب السياسية التي ستنتج عن اعتماد قانون بالشكل الذي يريده "حزب الله"، إذا كانت حسابات "حزب الله" وحلفائه تقول بأنّه سينال أكثرية المجلس النيابي بهذه الطريقة عبر قانون "نسبي مع لبنان دائرة واحدة"، وبالذات عبر رفع حصّة حلفائه من مختلف الطوائف، مما يفسّر إصراره العنيف عليه، حينذاك يصبح السؤال هو التالي: ما مصلحة كل اللبنانيين في أن ينتصر "حزب الله" وحلفاؤه في الانتخابات بقانون مفصّل على مقاسهم؟

النقاش في هذا الأمر ليس أمرًا بسيطًا، خصوصًا مع لبنانيين متحمسين للقانون لأسباب لا علاقة مباشرة لها بحسابات "حزب الله" نفسه، فمشكلة الملتحقين "بحزب الله" وبالتحديد العونيين الذين يمثّلون الشريحة المسيحية الأكثر ثقلًا لا تكمن في قلّة العقلانية عند النقاش معهم، بل بالعكس تمامًا من ذلك: ثمة طغيان عند هؤلاء لصنف محدّد من العقلانية على سواه. وأقصد بذلك عقلانية قصيرة النظر تحسب المكاسب بشكل دكّاني فجّ وبشكل خاطئ بالمعنى الجوهري للكلمة، أي من دون إدخال الخسائر السياسية البعيدة المدى على المستوى الدستوري والثقافي والدولي، التي ستمسّ لبنان باسره إن ترسّخت السيطرة الإيرانية على المركز التشريعي في البلاد.

وهذا الثقب الأسود الفكريّ موجود عند بعض اليساريين الملتحقين بإيران كما هو موجود عند تيارات الجمعيات "الناشطة" ذات التمويل الدولي من مقاولي النضال، بينما يشكّل البورجوازي الصغير المسيحي، على المستوى البسيكولوجي اليومي، عماد الطبقة/الشريحة الاجتماعية الأوسع والأكثر كفاحًا من أجل قانون "النسبية بدائرة واحدة" خارج دائرة "حزب الله" الشيعية.

يشمل الأمر صغار الكسبة من الموظّفين والمالكين الصغار والمتوسّطين وأصحاب الدكاكين والمؤسسات المتوسطة والصغيرة، ويشتدّ الحماس عند مسيحيي الأطراف من هؤلاء الذين يعتبرون أنهم يعيشون تهميشًا طبقيًّا بشكل مضاعف، لكن ما لا يجرؤ أن يعترف به عقل هذا البورجوازي الصغير المحشو بنتف من التبسيطات والتعميمات، هو أنه لا يرى في "نائب الأمة" سوى موزّع خدمات ومكاسب وتوظيفات.

في التحليل الأخير نحن هنا في حضرة عبد يبحث عن سيّد له ليدين له بالولاء، فيأمل بأن يؤمن هذا الأخير الوظائف الرسمية لأبنائه، أو يفتتح زعيمه "المشاريع الخدماتية"، ويقوم "بتنمية" القرية أو المحلّة التي يسكن بها، مما يعني توظيفات للمحيطين به أو يستحصل له من البلدية على تسوية لمخالفة بناء غير شرعي.

فما يسمّى بالانتخابات في لبنان لا يعدو كونه عمليّة إعادة توزيع جذرية وهائلة للموارد المالية تقوم كلّ أربع سنوات.

في هذا المنطق الذي يحكم مسيحيي الأطراف يجلس هؤلاء في دكاكينهم الصغيرة ومكاتبهم وشققهم في البقاع والجنوب وعكّار وضواحي بيروت والمدن الساحلية في لحظة ثأر ويفكّرون غاضبين "الحريرية أكلت البلد"، يقولونها ويصرّون على أسنانهم، بينما لا يجرؤ هؤلاء التصريح لأنفسهم أنّ أكثر ما يرغبون فيه هو أن يكونوا هم أكلة البلد الجدد.

لكن حتى هذا كلّه لا ينتقص من جوهر فكرة النسبية فيما يطرح من قوانين، أي من المنطق الذي يقول بعكس التمثيل السياسي على قدر الحجم الشعبي. المشكلة تكمن في فكرة "الدائرة الواحدة"، أي أن ينتخب الشخص لائحة واحدة من 128 نائبًا دفعة واحدة.

في قانون "حزب الله" سيقوم ناخبنا البورجوازي الصغير الذي لا يعرف أكثر من بضعة أسماء من نواب منطقته بوضع أكثر من مئة اسم لنواب لا يعرف عنهم شيئًا، ممّا سيعيد إنتاج الكتل النيابية المذهبية بشكل متبادل.

ولمن يريد فعلًا أن يجعل التمثيل النيابي أكثر ديمقراطية -وهذا الكلام موجّه خصوصًا لممثلي اليسار الملتحق بإيران بشعبويته الفارغة- هناك قاعدتان لفعل ذلك: أولًا التخفيف من تأثير المال الانتخابي، وثانيًا جعل النائب يخاف محاسبة الناس له، وهذا لا يتحقّق إلا بقانون نسبي، لكن في أصغر دائرة صغيرة ممكنة.

نعني بذلك قانونًا نسبيًّا مع 64 دائرة مثلًا، مقسّمة بشكل متساوٍ في الوزن الديموغرافي، إلا أن هذا لن يحصل للسبب الأكثر جوهرية الكامن خلف طرح "حزب الله"، فالانتخابات بالنسبة لحزب الله والبورجوازية الشيعية في لبنان والخارج التي يمثّلها، هي الفرصة الذهبيّة لاقتناص الأكثرية النيابية والإمساك بالقرار التشريعي في البلاد وبشكل كامل، بعدها سيبدأ العمل على تغيير وجه المستعمرة اللبنانية بطريقة لا رجعة عنها: إنّها "طريق التحول العراقي"، قياسًا على ما كان يسمّى "طريق التحول الاشتراكي".

فبعد آخر انتخابات في العراق رسخت إيران سيطرتها الكاملة على المستعمرة العراقية عبر "حزب الدعوة" وملحقاته، وبالنتيجة تحوّلت البلاد هناك تدريجيًّا إلى مزرعة ميليشيات طائفيّة تحوم حاليًّا في بغداد لتحتل وتنهب بيوت الناس تحت شعار "التمويل الذاتي للحرب على داعش".

والآن يتكلّمون في العراق عن "ضرورة دمج ميليشيات "الحشد الشعبي" المذهبي والمجرم في الجيش العراقي، نسمع الكلام نفسه في اليمن حيث المطلب الحوثي-الإيراني الأساسي هو دمجهم في الجيش اليمني.

لذا التساؤل الحقيقي الذي يقع فوق الحسابات الدكّانية الضيقة للبورجوازية الصغيرة لمسيحيي الأطراف هو: في حال ربح "حزب الله" وحلفاؤه وحصل على أكثريّة نيابية ستمكّنه حتمًا من تطبيق المرحلة اللاحقة من البرنامج الإيراني الذي يحضّره لنا، ما الضمانات ألا نصبح في لبنان نناقش مستقبلًا مسائل تبدو اليوم سورياليّة بمجرّد حتى التفكير بها، مما نسمعه كلّ يوم في العراق، مثل دمج ميليشيات مذهبية في القوى الأمنية، أو حتى مسخ طبيعة الدستور والقانون اللبناني إلى غير رجعة؟ وما الضمانة ألا يكون قانون "نسبيّة" حزب الله "بدائرة واحدة" الخطوة الأولى باتجاه "عرقنة" كاملة للمستعمرة اللبنانية؟.

بقلم: 
خليل عيسى
المصدر: 
المدن

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات