أزمة نظام

أزمة نظام
  قراءة
property="content:encoded">

لم يعد يفصل اللبنانيين عن موعد بدء المهل القانونية للاستحقاق الانتخابي سوى أقل من أسبوعين، والجدل ما زال مستعرًا بين الطبقة السياسية الحاكمة، حول قانون للانتخابات يُحقِّق التمثيل العادل والصحيح وفق ما يدعون، ولا يبدو في الأفق المنظور أية بوادر إيجابية عن إمكانية توصلهم إلى توافق، وصار التمديد للمجلس الحالي أمرًا حتميًّا ولو تحت عنوان التمديد التقني إلا إذا ما حصلت معجزة تردم الهوّة القائمة بين هذه الطبقة، ويتم التوافق في اللحظة الأخيرة على قانون جديد يحترم وحدة المعايير، ولا يقوم على قاعدة توزيع الحصص واقتسام النواب بين هذه الطبقة كما هو واقع الحال حتى الساعة.

الذي بات واضحًا أن الثنائي المسيحي، القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر يتمسكان بالقانون المختلط، أي القائم نصفه على النسبية والنصف الآخر على الأكثري، آخذين بالاعتبار وضع الأقليات في الدوائر الانتخابية، لكي يضمنا حصولهما في الانتخابات على الغالبية الكبرى من النواب المسيحيين، ويضغطا على باقي الأطراف بتهديدهم بالفراغ أو الاستفتاء الشعبي، كما يطالب بذلك رئيس الجمهورية في حال لم يتوصلوا إلى توافق حول قانون يحقق التمثيل العادل والصحيح، ضمن المهل التي نصَّ عليها الدستور، وهذا الإصرار على المختلط خلق بلبلة واسعة في صفوف الأطراف الأخرى كالحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المردة وحزب الكتائب وحتى تيار المستقبل من أن يتقلص عدد نوابهم لمصلحة الثنائي المسيحي، ورَفَع هؤلاء جميعًا باستثناء تيّار المستقبل شعار التمسك بقانون الستين حتى لا يشملهم الإقصاء كما يقولون، رافضين في الوقت نفسه الدخول في مجهول المختلط، المفصل على مقاس الثنائي المسيحي.

أدى كل ذلك إلى تجميد اجتماعات اللجنة الرباعية المؤلفة من التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل، تاركين لرئيس الجمهورية أن يتولى مهمة التوفيق بين كل الأطراف قبل الوصول إلى ما يسمى بأزمة نظام، في الوقت الذي بادر الرئيس إلى حسم أمره إلى جانب القانون المختلط، وحدد البديل بالفراغ أو بالاستفتاء الشعبي، وكلاهما مخالف للدستور وللنظام الذي يقوم على الديمقراطية البرلمانية، الذي لا مكان فيه لا للفراغ ولا للاستفتاء الشعبي إلا في حال العودة إلى الشعب لاختيار ممثليه في الندوة النيابية مرّة كل أربع سنوات، حسب ما هو مقرر في كل القوانين الانتخابية المتعاقبة.

فهل بعد كل هذه التعقيدات يمكن أن يقر اقتراح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي بإدخال تعديل على قانون الستين، أو بالعودة إلى اتفاق الطائف الذي نصَّ على إلغاء الطائفية في الانتخابات النيابية بعد إنشاء مجلس شيوخ على أساس طائفي، أم أن الأمور ستزداد تعقيدًا وصولًا إلى الفراغ بكل ما يعنيه من سقوط الدولة أو النفخ في بوق اللامركزية السياسية، وصولًا إلى الكونفدرالية التي يُشكّل قيامها نهاية هذا البلد، المميز بتعدديته وسط بقعة جغرافية تقوم على الأحادية.

إذا لم يهدِ الله الطاقمَ السياسي الحاكم أو يلهمهم تقديم التنازلات المتبادلة والتخلي عن الحصص والمغانم، فالبلد مقبل حتمًا على أزمة نظام.

بقلم: 
د. عامر مشموشي
المصدر: 
اللواء اللبنانية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات