استراتيجية إيران وروسيا في سوريا

استراتيجية إيران وروسيا في سوريا
  قراءة
الدرر الشامية:
property="content:encoded">

 

مقدمة

شكَّل الدور الإيراني والروسي منذ انطلاقة الثورة الشعبية في سوريا دعامة أساسية لصمود النظام السوري، ولعب التدخل الروسي بشكل خاص دورًا أساسيًّا في منع سقوط النظام عقب سيطرة الثوار على محافظة إدلب وتقدمهم باتجاه سهل الغاب وثكنة جورين بريف اللاذقية منتصف عام 2015، وتقدم فصائل الغوطة الشرقية وعلى رأسها جيش الإسلام باتجاه العاصمة دمشق خلال معركة "الله غالب"، ليظهر حكم الأسد في سوريا تلك الفترة بالمترنح أكثر من أيّ وقت مضى.

وتحاول هذه الدراسة أن ترصد أهم مراحل التدخل الإيراني والروسي في سوريا، وأسباب ودوافع هذا التدخل، والسياسة المتبعة من قِبل كل دولة في سوريا ونقاط التقاطع والتضارب.

 

أولًا: مراحل التدخل الإيراني

1- مرحلة التمويل والتدريب: دعمت إيران النظام السوري منذ اندلاع الثورة الشعبية بالخبراء العسكريين والأمنيين والتقنيين، ثم في مرحلة لاحقة ومع نهاية عام 2012 نظمت برنامج تدريب على أراضيها وفي قواعد عسكرية سرية لما يُعرف بـ"قوات الدفاع الوطني" وهي ميليشيات مكونة من غالبية علوية وشيعية، وبدرجة أقل مسيحيون ودروز وسنة جميعهم سوريون، واعتمد النظام عليها كثيرًا في معاركه بعد التصدعات التي أصابت جيشه النظامي نتيجة الانشقاقات والخسائر.

وتقدر أعداد تلك الميليشيات التي دربتها إيران وأشرفت على تمويلها بحدود 40 ألف متطوع، تم تدريبهم في قواعد إيرانية على شكل مجموعات، وكل مجموعة تضم 400 شخص، ويشمل التدريب أساليب حرب العصابات، وتركزت هذه الميليشيات بشكل أساسي في محافظة حمص بسبب أهميتها الاستراتيجية بالربط بين لبنان وسوريا، وكذلك في مناطق متفرقة من ريف دمشق كالسيدة زينب وجرمانا والقلمون (رويترز).

قدرت صحيفة ساينس مونيتور الأمريكية الدعم الإيراني المالي والعسكري المقدم للنظام السوري بـ35 مليار دولار سنويًّا.

2- مرحلة الاعتماد على حزب الله اللبناني والميليشيات الأفغانية: شهد شهر أيار/مايو من عام 2013 مرحلة جديدة للتدخل الإيراني غير المباشر في سوريا؛ حيث برز الدور الكبير لميليشيات حزب الله اللبناني خلال معارك السيطرة على مدينة القصير والتي زج فيها كامل قوات النخبة لديه، واستخدم فيها صواريخ فراغية محمولة على الكتف لاستهداف التحصينات من صنع إيران، فالسيطرة على تلك المدينة تمثل مصلحة استراتيجية كبيرة لإيران؛ لأنها تربط بين دمشق وحمص والساحل السوري بمناطق نفوذ حزب الله بلبنان. (الجزيرة نت).

كما شهد مطلع عام 2013 ظهور الميليشيات الشيعية الأفغانية في سوريا، وهم شبان ينتمون لقومية الهازارة أغلبهم لجؤوا إلى إيران وتم تجنيدهم مقابل مبالغ مالية تصل إلى 500 دولار، وانتظموا بشكل أساسي ضمن لواء فاطميون، ولواء خدام العقيلة، ولعبوا دورًا أساسيًّا في معارك "مثلث الموت" جنوب سوريا، وهي المنطقة الواصلة بين ريف درعا وغوطة دمشق الغربية ومحافظة القنيطرة، وكذلك في معارك فك الحصار عن نبل والزهراء شمال حلب، وإحكام الحصار على الغوطة الشرقية.

وتعمل الميليشيات الأفغانية تحت إمرة ضباط من الحرس الثوري الإيراني وبلغ عدد قتلاها في سوريا مع نهاية عام 2016، أكثر من 1000 قتيل. (التلفزيون الحكومي الأفغاني).

3- مرحلة التدخل الإيراني المباشر: بدأت إيران مع مطلع عام 2015 تكثيف تواجد الحرس الثوري الإيراني في سوريا، إلا أن حديث وسائل الإعلام الإيرانية عن وصول وحدات خاصة وكتائب تابعة للواء 65 البري تصاعدت مع بداية التدخل الروسي المباشر نهاية شهر سبتمبر/أيلول عام 2015.

ويقدر عدد القوات الإيرانية نهاية عام 2016 بحوالي 8 آلاف مقاتل من الحرس الثوري الإيراني و6 آلاف من القوات البرية، وأقامت إيران قواعد أساسية لها في منطقة جبل عزان، والسفيرة بريف حلب الجنوبي؛ حيث تضم قوات الحرس الثوري الإيراني واللواء 65، وقاعدة بالقرب من مطار دمشق العسكري تضم قوات الحرس الثوري (صحيفة كونفيدينسيال الإسبانية).

وبلغ عدد قتلى العناصر الإيرانية التابعة للجيش منذ بداية تدخلها في سوريا أكثر من 1000 قتيل بحسب ما أوردته صحيفة تسنيم الإيرانية المقربة من الحرس الثوري.

ثانيًا: مراحل التدخل الروسي

شنت الطائرات الحربية التابعة لسلاح الجو الروسي أولى غاراتها في سوريا في الثلاثين من شهر أيلول/ سبتمبر عام 2015، وتركزت الضربات الجوية الأولى على ريف حمص الشمالي وريفي حماة الشمالي والجنوبي؛ حيث انطلقت المقاتلات الحربية من مطار حميميم في اللاذقية والذي أصبح فيما بعد قاعدة جوية روسية، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015 أن البوارج الحربية الروسية المتواجدة في بحر قزوين بدأت بإطلاق صواريخ عابرة للقارات باتجاه سوريا.

1-  محاصرة تركيا بالتعاون مع إيران ووحدات الحماية الكردية

ركزت روسيا على فصل المناطق الثائرة بالجنوب والشمال السوري عن الدولة الإقليمية المؤثرة في الملف السوري، ونجحت نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 2015 وبعد زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى الأردن في توقيع اتفاقية بهدف التنسيق العسكري، وأكدت الحكومة الأردنية أن التنسيق هدفه هدوء الأوضاع في الجنوب السوري بما يضم أمن حدود المملكة (وكالة بترا الأردنية الرسمية).

ولأن تركيا تعتبر الدولة الإقليمية الأكبر تمسكًا برحيل الأسد والتي بذلت جهودًا كبيرة لتحقيق ذلك عن طريق تسهيل الدعم للفصائل العسكرية، وكانت الأكثر تأثيرًا في الواقع الميداني، فقد عملت روسيا على عزلها عن سوريا فدعمت بغطائها الجوي ميليشيات سورية وعراقية ولبنانية في عملية واسعة بجبلي التركمان والأكراد بريف اللاذقية، واستطاعت الميليشيات وبعد 3 أشهر من المعارك السيطرة على غالبية المناطق المحررة بريف اللاذقية، وأهمها برج زاهية وقرى الزويك والدغمشلية ودير حنا وغمام بجبل التركمان، وبرج القصب وجبل النوبة وجبل غزالة وقرى دورين وكفر دلبا والجب الأحمر وأبو ريشة وعكو وبشرفة وعرافيت في جبل الأكراد.

وشهدت هذه المعارك حادثة إسقاط تركيا للمقاتلة الحربية الروسية فوق منطقة جبل التركمان في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، ليدخل البلدان في حالة قطيعة وعقوبات اقتصادية متبادلة وتصعيد غير مسبوق.

وبعد شهر واحد فقط من السيطرة على غالبية ريف اللاذقية، دعمت روسيا عمليات عسكرية نفذتها ميليشيات حزب الله اللبناني بالاشتراك مع لواء فاطميون الأفغاني والحرس الثوري الإيراني وانتهت بفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء بريف حلب الشمالي، التي تسيطر عليها ميليشيات شيعية سورية، وكذلك دعمت روسيا ميليشيات وحدات الحماية الكردية التي سيطرت على مناطق عديدة بريف حلب الشمالي، وتمكنت من قطع طريق معبر باب السلامة الحدودي إلى ريف حلب الغربي، وذلك بعد السيطرة على دير جمال وتل رفعت وبلدة منغ ومطارها، لتخسر الفصائل الثورية السورية ثاني شريان هام لها يربطها بتركيا بعد مناطق ريف اللاذقية، ولتعلن بذلك روسيا بشكل واضح عزمها استخدام الورقة الكردية ضد تركيا.

واستمرت المعارك المدعومة من الطيران الروسي في شمال حلب إلى أن أحكمت ميليشيات تابعة للنظام السوري السيطرة على طريق الكاستلو في شهر تموز/يوليو عام 2016 وهو الشريان الذي يربط مدينة حلب بريفيها الغربي والشمالي.

 

2-  التنسيق الروسي – الأمريكي

أعلن وزيرا الخارجية في الولايات المتحدة وروسيا في العاشر من شهر أيلول/سبتمبر عام 2016 عن اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، وأكد وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" حينها أن الهدنة لو صمدت أسبوعًا سيتعاون الجيش الأمريكي مع الجيش الروسي.

واتفق الجانبان على استهداف تنظيم الدولة، وجبهة فتح الشام، وعلى إنشاء مركز عسكري مشترك لتنسيق الضربات، إلا أن رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة "جوزيف دانفورد" رفض تبادل بلاده المعلومات الاستخباراتية مع روسيا بما يخص سوريا لتتصاعد بعدها التوترات بين البلدين في إثر تهديدات روسية بنشر تفاصيل الاتفاق، الأمر الذي لقي معارضة من الولايات المتحدة وتبقى الخطة حبيسة الأدراج دون تنفيذ، ثم تنهار الهدنة العسكرية بعد ذلك.

3-  التنسيق الروسي – التركي

أعلن وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" في شهر آب/أغسطس عام 2016 أن وفدًا أمنيًّا وعسكريًّا تركيًّا سيتوجه إلى العاصمة الروسية موسكو من أجل مناقشة الملف الروسي وذلك بعد يوم واحد من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلاديمير بوتين.

وجاءت هذه التطورات بعد فترة قطيعة طويلة بين الجانبين على خلفية إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية بالقرب من جبل التركمان على الحدود التركية، ومما ساعد بإسراع إنهاء القطيعة الموقف الروسي الرافض للمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا منتصف شهر تموز/يوليو 2016، مع وجود مؤشرات قوية على تورط غربي وأمريكي.

وشهد التقارب التركي – الروسي تصاعدًا سريعًا لتوصل الجانبين في شهر كانون الثاني/ديسمبر 2016 إلى اتفاق إجلاء المُحَاصَرين من الفصائل العسكرية والمدنية من أحياء حلب الشرقية باعتبار أن روسيا "ضامن" عن النظام السوري وإيران، وتركيا "ضامن" عن الفصائل العسكرية.

وتصاعد التنسيق بين الطرفين من خلال إعلان موسكو الخاص بسوريا بداية عام 2017، ليتبعه بعد ذلك إعلان وقف إطلاق النار في سوريا ورعاية تركيا وروسيا لمؤتمر أستانة لبحث تثبيت وقف إطلاق النار.

 

ثالثًا: دوافع روسيا وإيران للتدخل في سوريا

يشكل الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط حلمًا إيرانيًّا روسيًّا مشتركًا باعتبار أن البلدين يعتمدان في اقتصادهما على تصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية التي تعتبر السوق الأولى من حيث حجم الاستهلاك، خاصة في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وزاد في هذه الرغبة اكتشاف حقول غاز غنية في منطقة البحر المتوسط، بالإضافة إلى حقول الغاز الغنية في سوريا وأهمها في منطقة تدمر، ما يجعل من سوريا مهددًا حقيقيًّا للهيمنة الروسية بشكل خاص على السوق الأوروبية.

ومن المعلوم أن إيران لديها مشروع سعت للعمل عليه بشكل حثيث ويتمثل في مد خط غاز من إيران إلى سوريا مرورًا بالعراق ثم إلى المتوسط وإلى أوروبا.

ولا شك أن مفاتيح التحكم بالشرق الأوسط تكمن في السيطرة على منطقة الخليج العربي وسوريا؛ لما تشكله هاتان المنطقتان من أهمية استراتيجية وعقدة ربط بين الموارد وسوق التصريف.

 

رابعًا: نقاط الاختلاف بين سياسة إيران وروسيا في سوريا

عملت إيران منذ تدخلها في سوريا على إيجاد ممرات تربط بين مناطق سيطرة حزب الله وسوريا، ومعركة القصير ومعارك القلمون جاءت بهذا السياق، من أجل تعزيز السيطرة الإيرانية وربط لبنان بسوريا بطهران، ولجأت لتنفيذ هذه الخطة إلى إضعاف سلطة الجيش النظامي وقوته، وسطوة حكومة الأسد المركزية ودعم ميليشيات مرتبطة مباشرة بها، مثل ميليشيات الدفاع الوطني ولواء فاطميون ولواء أبو الفضل العباس وحزب الله والحشد الشعبي العراقي وغيرها، في حين ركز المسؤولون الإيرانيون على التأكيد مرارًا على ضعف قوة الجيش النظامي وإبراز دور الميليشيات الإيرانية.

أما روسيا فقد عمدت إلى تعزيز سيطرتها على الساحل السوري على المتوسط عن طريق قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية التي ستستمر في سوريا لتسعة وأربعين عامًا، وبالتوازي مع ذلك تعمل روسيا بشكل مكثف على إعادة هيكلة الجيش ودمج الميليشيات المتناثرة ضمن تشكيلات عسكرية تابعة للأركان بشكل مباشر، ويظهر ذلك بشكل جلي من خلال تدريب هذه الميليشيات في قاعدة حميميم وتنظيمها ضمن ألوية عسكرية بإشراف ضباط متقاعدين أعدتهم للخدمة، وتحركت تحت غطاء الطيران الروسي في كل من الساحل وتدمر، ويعتبر تشكل الفيلق الخامس دليلًا على محاولة روسيا ضبط كل التشكيلات تحت القيادة العسكرية المركزية، كما أن روسيا اتجهت للاعتماد على الشرطة العسكرية الروسية وكتائب شيشانية انتشرت في كل من حلب ودمشق للتخفيف من سطوة الميليشيات الإيرانية.

وظهر التنافر الإيراني – الروسي بشكل كبير في مرحلة التقارب الروسي – التركي، خاصة خلال تفاهم إجلاء المُحَاصَرين من حلب، ومرحلة الهدنة؛ حيث عبر وزير المصالحة في النظام السوري "علي حيدر" وعبر وكالة تسنيم الإيرانية عن عدم رضا نظامه عن التقارب الروسي – التركي، معتبرًا أن هذا التقارب جاء لمصلحة البلدين.

وأكد الكرملين الروسي قبيل عقد مؤتمر أستانة الخاص بروسيا ولأول مرة أن موقف إيران يُعَقِّد الوصول إلى اتفاق حول الملف السوري، وأن إيران رافضة تمامًا حضور الولايات المتحدة، في وقت يشدد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن لا حل عسكري في سوريا، وأن "أستانة" يجب أن يكون بوابة لحل سياسي، وهذه التصريحات تأتي عكس ما يسعى له الإيرانيون الذين انفتحت شهيتهم بعد حلب على إحداث اختراق على جبهات إدلب، وبدؤوا فعلًا الحشد شرقي المحافظة بالقرب من قواعد سيطرتهم بريف حلب الجنوبي.


المراجع

1.مركز الجزيرة للدراسات

2.موقع الجزيرة نت

3.وكالة تسنيم الإيرانية

4.مركز عمران للدراسات

5.المركز الاستراتيجي للدراسات

المؤلف: 
وحدة تحليل السياسات

تعليقات