التعليم أم الخبز؟

التعليم أم الخبز؟
  قراءة
property="content:encoded">

في كل مرة يضغط فيها التحدي الاقتصادي–الاجتماعي، نعود إلى المناورة السياسية ذاتها في المداراة والتهدئة و"الطبطبة"، طلبًا لتمرير قرارات اقتصادية غير شعبية بأقل قدر من الرفض والاحتجاجات الشعبية.

يتكرر هذا السيناريو مع كل الحكومات تقريبًا منذ العام 1989، من دون بناء أجندة اقتصادية-اجتماعية للدولة، يتحمل فيها المواطن الكلف الحقيقية للحياة من دون أن يتحمل كلف الهدر والفساد وتدني الكفاءة العامة.
على سبيل المثال، تضع الحكومات مسألة إلغاء الدعم الحكومي عن طحين الأفران خطًّا أحمر، ودائمًا تنبه وتحذر بأنها لن تقترب من هذا الخط.

بالفعل، إنه خبز الناس وقوتهم، ولا يجب بأي شكل مسه، لكن نحن ندرك أن أكثر من نصف هذا الدعم لا يذهب إلى المواطنين الأردنيين؛ سواء ذهب إلى المقيمين أو تم التصرف به من قِبل تُجّار الخبز لأغراض أخرى.

وتدفع الخزينة نحو 180 مليون دينار سنويًّا لدعم الخبز، وعلينا تصور أن هذا الرقم يضاف إليه حجم الهدر في الموازنة الذي قدَّره أحد وزراء المالية السابقين بأنه يصل إلى %15.

ويقدر الخبراء أن هناك نحو 200 مليون دينار حوافز ضريبية لا ضرورة أو قيمة اقتصادية لها.

علينا تصوُّر لو أن كل هذا الهدر المنظور قد خصص لدعم التعليم في الأردن في مختلف المجالات؛ هل سيحدث الفرق الذي طال انتظاره؟
لا قطاع يستحق الدعم والاستثمار فيه، ويحتل أولوية على الخبز، أكثر من التعليم؛ فما تزال مخصصات التعليم في الموازنات العامة تراوح مكانها أو تتراجع، وما يزال الإنفاق على التعليم من إجمالي الناتج الوطني متدنيًا.

والإصلاح الاقتصادي يبدأ بالتعليم؛ كما هي الحال في الإصلاح السياسي والاجتماعي، واختبار النوايا الحقيقية في إصلاح التعليم، هو في الإنفاق الحقيقي على هذا القطاع.
كل السرديات الطويلة حول إصلاح التعليم مهمة وتستحق الاحترام، لكن لا قيمة لها إذا لم تتوافر الموارد القادرة حمل مشروع الإصلاح؛ فالأردن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت سبق، إلى رؤية عميقة لاقتصاديات التعليم، وسط تحولات استراتيجية عميقة تشهدها المنطقة، وأخرى يشهدها مجتمعنا أيضًا.

فطبيعة التهديدات التي يجد الأردن اليوم نفسه في وسطها، غير مسبوقة، ومعظمها يرتبط بمصادر تهديد داخلية وإقليمية ذات عمق اجتماعي وثقافي، تتمثل برؤية المجتمعات لذاتها وللآخرين.

وفي وسط هذه التحولات العميقة، تعيش البلاد أزمة معقدة في المؤسسة التعليمية، لم نجد لها صدى حقيقيًّا في الخطاب الحكومي للإصلاح الاقتصادي.

إذا بقي الإنفاق الحكومي على التعليم في حدود 10-%11 ، ونحو 4 % فقط من الناتج الإجمالي الوطني. في المقابل، ذكر البنك الدولي مؤخرًا، أن الإنفاق العامّ على التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلغ 18.6 % من إجمالي الإنفاق الحكومي، بالمقارنة مع المتوسط العالمي البالغ 14.2 %؛ بمعنى أن ثمة إدراكًا متزايدًا لدى دول المنطقة بأن "التعليم هو الحل".
ازدياد هذا الإدراك واضح لدى عدد من الدول العربية، وتحديدًا دول الخليج، ولا يتوقف الأمر عليها؛ فقد شهدت ميزانيات التعليم في المملكة المغربية قفزات هائلة خلال السنوات الأخيرة.

وفي السعودية، تجاوزت مخصصات التعليم في موازنتَيْ 2014 و2015 أكثر من 25 % من موازنة الدولة. في حين تجاوز الإنفاق القَطري على التعليم، في آخِر ثلاث سنوات، كل التوقعات؛ إذ تجاوز معدل الإنفاق السنوي 6.2 مليار دولار. 
صحيح أن إصلاح التعليم لا يكمن بأكمله في الإنفاق؛ إذ يمكن أن تنفق بعض دول أموالًا طائلة في تعليم فاشل، يقدم مخرجات رديئة. لكن الإنفاق في إصلاح التعليم هو استثمار اقتصادي بالدرجة الأولى. والتحدي الحقيقي هو في قدرة الدولة على زيادة الإنفاق على التعليم خلال السنوات الثلاث المقبلة؛ أي أن تتجاوز حصة التعليم 15 % من الإنفاق العام.

فالتعليم هو الحل، ليس فقط للأزمة الاقتصادية، بل للأزمتين السياسية والثقافية أيضًا.

بقلم: 
باسم الطويسي
المصدر: 
الغد الأردنية

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات