هل باتت وسائل التواصل الاجتماعي أداة لاستهداف الثورة ورموزها؟

هل باتت وسائل التواصل الإجتماعي أداة لاستهداف الثورة ورموزها ؟
  قراءة

 

لم يعد التفاعل مع الجمهور وإيصال وجهة النظر لهم يحتاج إلى إذاعات أو شاشات أو شركات إنتاج، في ظل الإقبال غير المسبوق على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة في البلدان العربية، وعلى رأسها فيسبوك وتويتر وبرنامج واتساب وتلغرام، بل بات يكفي عمل منصات على أحد البرامج المذكورة والسعي لجلب آلاف المشتركين، ثم بعد ذلك استخدام تلك المنصات لطرح ما يشاء صاحبها من تلك الأفكار.

 

وسائل التواصل الاجتماعي وثورات الربيع العربي

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي -وخاصة موقع "فيسبوك"- دورًا مهمًّا في ثورات الربيع العربي، وكان دورها بارزًا ومؤثرًا في ثورة مصر عام 2011، ثم الثورة السورية مطلع العام نفسه، حيث استخدم النشطاء موقع فيسبوك للتحريض على النزول إلى الشارع وتنسيق التظاهرات، وأيضًا في بثِّ انتهاكات القوات الأمنية، مما حفَّز الكثير من الشرائح الشعبية على مناصرة تلك الثورات، ومع تقدم الوقت أصبحت تقريبًا مصدر معلومات أساسية، وخاصة في سوريا.

 

وسائل التواصل والثورة السورية

­­­لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا أوضح في الثورة السورية عن غيرها، وذلك بسبب طول المدة، وتحول هذه الوسائل مع الزمن لمصدر إخباري، في ظل صعوبة توفر الكهرباء بكثير من المناطق، مما أدى لقلة الاعتماد على شاشة التلفزيون لمتابعة الأحداث.

وكما كان لتلك الوسائل دور كبير، كانت أيضًا ولا تزال سلاحًا قويًّا بيد خصوم الثورة، ومع تقدم الزمن يمكن للمراقب أن يلاحظ أنها باتت سلاحًا فعالًا لاستهداف الثورة السورية ورموزها وإسقاطهم.

" أنشأت المخابرات التابعة للنظام السوري ما يعرف بالجيش الإلكتروني، ويضم عددًا من الخبراء التقنيين بالإضافة إلى شبان متطوعين وصل عددهم عام 2014 إلى 2500 شاب تقريبًا، يشرفون على أكثر من 50 ألف حساب فيسبوك تقريبًا، بالإضافة إلى آلاف الحسابات على تويتر، ومهمتها تنفيذ هجمات اختراق مواقع إلكترونية كما فعلت في موقع مشاة البحرية الأمريكية في أيلول/ سبتمبر 2013، ومهمتها أيضًا إغراق صفحات وحسابات النشطاء الثوريين بآلاف من تعليقات السب والشتم والتخوين لخلق مزاج عام لدى الجمهور".

ومع ظهور برنامجي واتساب وتلغرام وتحول النشطاء إلى العمل ضمن غروبات خاصة على تلك البرامج أصبحت تلك الغروبات هدفًا أساسيًّا للمخابرات السورية، وحتى تنظيم الدولة، حيث تعمد تلك الجهات إلى نشر مقاطع صوتية لشخصيات مجهولة تحمل رسائل معينة، وتقوم بتكرارها بشكل منتظم بهدف زرعها بالعقل الباطن.

"يقول جوزيف غوبلز مسؤول الدعاية السياسية للزعيم النازي هتلر: كرِّر الكذبة كثيرًا بما يكفي وستصبح هي الحقيقة"

وتعتمد الجهات المعادية للثورة في عملية استهدافها على فكرة "الديماغوجية"، وتعني هذه الفكرة العمل على كسب الناس ونصرتهم عن طريق استثارة عواطفهم، واللعب بأحاسيسهم ومشاعرهم، وليس عن طريق الحوار العقلاني معهم، ولأن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل وجبة سريعة على جوع يتم تناولها بعجالة دون توقف فقد ساعدت كثيرًا على تحقيق نتائج كبيرة، فيكفي أن يتم تسريب مقطع لشخص مجهول يتهم هذه الجهة أو تلك بالعمالة والخيانة، ويعلل سقوط المناطق عسكرياً إلى عمليات المتاجرة ويدغدغ مشاعر المتابعين وعواطفهم حتى يحركهم باتجاه تفكير معين ويمنعهم من التفكير في التأكد من صحة ما ورد.

 

أدلة على استهداف الثورة ورموزها عبر وسائل التواصل الاجتماعي

 

عكفت حسابات الجيش الإلكتروني في بدايات الثورة السورية على مهاجمة الفصائل العسكرية والأجسام السياسية كوصف مقاتلي الجيش السوري الحر بـ"جيش أردوغان"، أو المجلس الوطني بـ"مجلس اسطنبول"، وعملت على تكرار تلك الصفات، كما عملت تلك الحسابات على ترويج فكرة أن تركيا استعانت بالجيش السوري الحر للتصدي للانقلاب الفاشل في تركيا قبل عدة أشهر، وعلى الرغم من ضخامة الكذبة فإن النظام وعملاءه عمدوا إلى تكرارها على وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا.

وأكدت مصادر مقربة جدًّا من جيش الإسلام أن  قائد الجيش الراحل "زهران علوش" تلقَّى قبل مقتله بخمسة أشهر رسالة واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية، تؤكد أنه في حال قبل التنسيق والتعاون فستتوقف الحرب الإعلامية ضده، بما في ذلك آلاف من حسابات فيسبوك وتويتر التي تتهمه بالعمالة وبحماية النظام في دمشق.

وبعيد الإعلان عن أسامة معترماوي المشهور باسم "أسامة أبو زيد" كمندوب عن فصائل الجيش الحر ومتحدث باسم الوفد المفاوض خلال محادثات أنقرة مع روسيا، التي انتهت إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تم إنشاء مدونات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي  إحداها باسم "الهيئة الحقوقية للثورة السورية"، وراحت تروِّج لمعلومات عبر فيسبوك وواتساب تفيد بأن "معترماوي" غير معروف من قبل الفصائل، وأنه غير حاصل على شهادة الحقوق، وعند مراجعة سجلات جامعة دمشق تبين أن "معترماوي" خريج سنة 2011، ولديه كشف علامات، وعمل كمدرب قانوني وحاصل على شهادة تدريب من منظمة نداء جنيف، وهو بالأصل ينحدر من مدينة داريا بريف دمشق، وسبق أن اعتقل خلال فترة الحراك السلمي، وعمل بعدها كناطق باسم المجلس المحلي لداريا، وممثل للواء شهداء الإسلام الشهير.

ولعل من الأمثلة البارزة على عملية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لضرب الثورة وفصائلها ورموزها، محاولة حسابات وهمية وحسابات بعض الشخصيات بعد استهداف التحالف الدولي لمواقع جبهة فتح الشام في الشمال السوري قبل أيام، الترويج لفكرة أن فصائل الجيش الحر الموقعة على اتفاق الهدنة في أنقرة سلمت "فتح الشام" لروسيا، وذلك بهدف زرع بذور خلاف، والسعي لإحداث اقتتال، في حين أكد أعضاء الوفد المفاوض أنه لم يتم تسليم خرائط فصيل بعينه، وما تم تحديده هي مناطق سيطرة النظام والمناطق المحررة، التي من المفترض أن تدخل ضمن وقف إطلاق النار، وهي معلومات عادية تنشرها الفصائل العسكرية بشكل دوري على معرّفاتها الرسمية، ومتاحة لدى الجميع.

 

خلاصة: لا يمكن الإنكار أن الوسائل الجديدة من صحافة إلكترونية ووسائل تواصل اجتماعي جعلت غالب المعلومات في متناول الجميع دون تعب، وقصرت المسافات، وأسهمت في خدمة الكثير من القضايا، إلا أنها في ذات الوقت باتت تفرض حالة أقرب إلى التنويم المغناطيسي على مستخدميها، وخاصة المدمنين منهم، وباتت تتيح لأي جهة تغذية شريحة واسعة من المتابعين بالأفكار التي تريدها، ولا بد في ظل الوضع الحالي من ممارسة متابعي تلك الوسائل لعملية فلترة وتنقية، أشد من العملية التي كانت تمارس على وسائل الإعلام القديمة كالتلفزيون والجريدة والإذاعة، لأن الوسائل القديمة بغالبها كانت تعمل ضمن معايير معينة، ولا يمكن استغلالها بهذا الشكل الجنوني كما يحصل في الوسائل الإعلامية الجديدة اليوم.

 

بقلم: 
وحدة الرصد
المصدر: 
الدرر الشامية

تعليقات