عملية درع الفرات في سوريا.. الفرص والتهديدات والمآلات

عملية درع الفرات في سوريا.. الفرص والتهديدات والمآلات
  قراءة
الدرر الشامية:

مقدمة

لتقييم دوافع ومحددات التحرك التركي الحالي في سوريا والمنطقة عمومًا لابد لنا من التطرق إلى كتاب العمق الاستراتيجي الذي ألَّفه رئيس الوزراء التركي السابق البروفيسور أحمد داود أوغلو مُنَظِّر السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية؛ حيث يعتبر كتابه بمثابة دستور لتلك السياسات.

وينص الكتاب على ضرورة التركيز على البناء الداخلي المستقر لتركيا، ومحيط جغرافي ثابت، وتجنب الصراعات العرقية والمذهبية، والحفاظ على علاقات طيبة مع الشرق الأوسط والجاليات المسلمة باعتبارها حديقة خلفية لتركيا، وكذلك تبني سياسة خارجية متعددة المراكز وعدم الاعتماد على قطب واحد، كما يعتبر أن الشرق الأوسط حديقة خلفية لا غنى لتركيا عنه.

وإن هذه الركائز في السياسة التركية هي بالضبط التي دفعتهم لشن عملية درع الفرات المشتركة مع الجيش السوري الحر، وهي ما تدفعهم حاليًّا للإصرار على المشاركة في عملية الموصل بالعراق، فخطر قيام حزام تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على الحدود التركية مع سوريا صار كبيرًا جدًّا بعد سيطرة الحزب على مدينة منبج الواقعة شرق نهر الفرات، كما أن تركيا صعَّدت من لهجتها ضد ممارسات الحشد الشعبي الذي يستعد للمشاركة مع باقي الفصائل لدخول مدينة الموصل، كما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرارًا أنهم لن يبقوا مكتوفي الأيدي حيال ما يجري في الموصل.

مرور شهرين على انطلاق درع الفرات

تمكنت عملية درع الفرات منذ انطلاقها في الرابع والعشرين من شهر آب (أغسطس) الماضي من السيطرة على ما يزيد على 1300 كيلومتر مربع، وكانت البداية بالسيطرة على مدينة جرابلس الاستراتيجية على الشريط الحدودي، ثم مدينة الراعي، ليتم وصل المدينتين في مرحلة لاحقة، وفي المرحلة الثالثة تمكنت قوات الجيش السوري الحر المدعومة من الجيش التركي من فك الحصار عن مدينة مارع ووصلها مع باقي الكتلة المُحَرَّرة في جرابلس والراعي؛ حيث تضمنت المرحلة الثالثة السيطرة على أهم رموز تنظيم الدولة المعنوية والعقائدية (بلدة دابق)، لتصطدم بعدها درع الفرات بقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالقرب من مدينة تل رفعت بعد محاولة الأخيرة التقدم من مواقعها جنوب غرب مارع في حربل والشيخ عيسى باتجاه مدينة الباب؛ حيث دفعت القوات التركية بتعزيزات واستهدفت الطائرات الحربية التركية والمدفعية مواقع حزب الاتحاد الديمقراطي بالقرب من عفرين وتل رفعت، ما أدى لمقتل العشرات وتم تشييع جثثهم في مدينة عفرين لتشهد بعدها تلك الجبهة هدوءًا وتعود قوات الجيش السوري الحر للسعي مجددًا للوصول إلى مدينة الباب أكبر مدن الريف الشرقي لحلب.

الفرص

مثَّل التقارب التركي – الروسي بعد قطيعة استمرت لعدة أشهر على خلفية إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية بالقرب من الحدود مع سوريا فرصة كبيرة لتركيا ومهَّد لها الأجواء لعمل تدخل محدود وفق تفاهمات بالحد الأدنى مع الروس حيَّد استخدامها لمنظومات الصواريخ الروسية المضادة للطيران التي نشرتها في سوريا عقب حادثة إسقاط الطائرة ضد الطائرات التركية، كما أن الموقف الغربي من الانقلاب في تركيا دفع العلاقات بين الروس والأتراك لمزيد من الدفء وكان بارزًا خلال مؤتمر الطاقة العالمي الذي انعقد الشهر الجاري في مدينة اسطنبول (كانت روسيا مبادرة وبشكل سريع لإدانة الانقلاب في تركيا خلال ساعاته الأولى).

ويرى الباحث في الشأن التركي الدكتور سعيد الحاج أن التقارب الروسي – التركي بالأصل جاء ضمن أولوية أنقرة الأساسية المتمثلة بالتصدي لقيام كيان كردي منفصل في سوريا بالقرب من حدودها، وبناء عليه تنازلت موسكو لأنقرة عن جزء من الورقة الكردية لتتجسد في عملية درع الفرات والهادفة بشكل أساسي لمنع التواصل الجغرافي بين الكانتونات الكردية شمال سوريا.

وبحسب ما يعتقده الدكتور الحاج فإن عملية درع الفرات تسير وفق ثلاث أولويات: وحدة الأراضي السورية ويقتضي ذلك منع قيام دويلة كردية، وحماية الحدود السورية، وإبعاد تنظيم الدولة عنها.

وفي الجانب الآخر فإن أنقرة تتمتع بعلاقات طيبة مع كافة فصائل الثورة السورية؛ حيث شكَّلت تركيا على مدار السنوات الخمس الماضية موطنًا آمنًا للاجئين السوريين، ومسرحًا لتحرك الفصائل والهيئات الثورية بحرية كبيرة، كما أنها لا تزال تصر على عدم وجود مستقبل للأسد في سوريا، وهو مطلب الفصائل العسكرية السورية، وإن كان سقف أنقرة تعرض لتخفيض وأشارت في عدة مواقف إلى قبولها بفترة انتقالية قد تمتد لستة أشهر.

لكن بالعموم فإن عمليات درع الفرات شكَّلت نقطة التقاء بين تركيا والفصائل السورية التي لا تريد أن يحل تنظيم معادٍ آخر (الحديث هنا عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) مكان تنظيم الدولة في المناطق التي يخسرها شمال حلب، وبالمقابل فإن تركيا تقدم تلك الفصائل كشريك بديل وفاعل عن حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري، وبالتالي سحب ذريعة واشنطن بأنه لا بديل عن التعاون مع الحزب.

التهديدات

يأتي على رأس قائمة تلك التهديدات الضغوطات الأمريكية؛ حيث لا تزال إدارة أوباما تعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه العسكري وحدات الحماية الكردية الحليف الأول في قتال تنظيم الدولة، كما أن الإدارة الأمريكية تعارض وبشدة المطلب التركي في إقامة مناطق آمنة وعازلة على الشريط الحدودي.

(تصر واشنطن حاليًّا على إشراك وحدات الحماية الكردية في معركة تحرير الرقة، في حين يؤكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الرقة يجب أن يسيطر عليها أبناؤها ويشترط عدم مشاركة الوحدات الكردية في العملية لمشاركة بلاده، كما أن شحنات السلاح من أمريكا لا تزال تتدفق على الوحدات).

وبلغت تلك الضغوطات ذروتها عندما انتقلت عملية درع الفرات وبحسب الأولويات التي حددتها لنفسها، من مواجهة تنظيم الدولة إلى مواجهة الوحدات الكردية بالقرب من تل رفعت لتعاود العملية سيرها باتجاه مدينة الباب مجددًا.

ويرى الدكتور سعيد الحاج أن: "الدعم الأمريكي لم يرفع عن الوحدات الكردية ويتجلى في الغطاء السياسي ورفع الأعلام الأمريكية على بعض مقراتهم في تل أبيض، وضغط واشنطن من أجل مشاركة الوحدات في معركة الرقة، وهذا ما دفع تركيا لتغير وجهتها من منبج إلى مدينة الباب، لكن من غير المستبعد أن تعود تركيا للصدام مع الوحدات من جديد خاصة أنها ألمحت أن العمليات ممكن تشمل شرق الفرات أيضًا".

كما أن من ضمن قائمة التهديدات التي ممكن أن تعترض العملية، أن التفاهم التركي – الروسي يمكن أن تعترضه عقبات وأبرزها عدم اتفاق الجانبين على رؤية واحدة لمصير الأسد، وبالفعل فإن روسيا أيدت تصريحات النظام الأخيرة واستنكاره لدخول الطائرات التركية إلى الأجواء السورية عندما اقتربت العمليات من طريق أعزاز – حلب والمقصود هنا مدينة تل رفعت.

وقد تلجأ الوحدات الكردية في ظل التدخل التركي وقطع الطريق على وصل كانتون كوباني بجرابلس إلى التمدد من جنوب غرب مارع باتجاه مدينة الباب بذريعة محاربة تنظيم الدولة من جديد، وتفيد المعلومات الواردة من الميدان بأن التنسيق بين نظام الأسد والوحدات الكردية على أشده؛ حيث تقدمت قوات مشتركة وسيطرت بالفعل على مدرسة المشاة وعدة بلدات في محيطها أهمها فافين، كما أن طيران النظام قام ولأول مرة الأسبوع الماضي بشن ضربات جوية ضد فصائل الجيش الحر المشاركة في غرفة عمليات درع الفرات بالقرب من مدينة مارع، ما يؤشر على بروز تحدٍّ جديد في وجه تلك العمليات.

خلاصة

أعادت العمليات الحالية شمال حلب ضد تنظيم الدولة شيئًا من الروح للثورة السورية، فالمساحة والمواقع الاستراتيجية التي استعادتها فصائل الثورة مهمة للغاية، كما أنها وقفت في وجه التقسيم الذي بات يتحول شيئًا فشيئًا مع تقدم الوحدات الكردية ضد تنظيم الدولة شمال سوريا إلى أمر واقع، ولابد لتتويج تلك الجهود العسكرية إلى إعادة هيكلة الأجسام العسكرية في تلك المنطقة لإنهاء الحالة الفصائلية التي قد يشكل انفجار خلافاتها فيما بعد عائقًا حقيقيًّا أمام استمرار العمليات، كما أنه لابد من إيلاء أهمية خاصة بالجانب المدني والعمراني وإعادة توطين المهجرين من تلك المناطق لتعزيز فرص مواجهة مخاطر التقسيم.

 

المؤلف: 
قسم الدراسات

تعليقات