قضية تغيير المناهج التعليمية – حقيقتها ومغازيها

قضية تغيير المناهج التعليمية – حقيقتها ومغازيها
  قراءة
property="content:encoded">

كَثُر الحديث في الشهور القليلة الماضية ولا يزال عن مسألة تغيير المناهج المدرسية، وذلك ما بين الهيئة التدريسية، ولاسيما نقابة المعلمين وبين وزارة التربية والتعليم ممثَّلة بوزيرها الدكتور محمد الذنيبات.

وقد اشتدت حدّته في المدة الأخيرة حتى بلغت درجة الاتهام المتبادل بين الأطراف المختلفة، الوزارة واللجنة المكلّفة بتغيير المناهج من جهة، ومَنْ في الميدان من المدرّسين ونقابتهم من جهة أخرى، إضافةً إلى دخول وزير الإعلام السيد محمد المومني على الخط وتهديداته غير المحسوبة لمن قام بإحراق بعض الكتب المدرسية من الطلاب احتجاجًا على هذه التغييرات التي لقيت استياءً كبيرًا في الأوساط الاجتماعية.
وأقول ابتداءً: إنّ التطوير والتغيير في هذه الدنيا شيءٌ طبيعي ومن سنن الحياة فيها، لا يمكن أن يُنكر أو يُوقف في طريقه، وقد جرى ويجري عند كل الأمم قديمًا وحديثًا، وإلاّ أَسِنَ العيشُ وتوقَّفت الحركة، وهما ضد الطبيعة الإنسانية وعكس القوانين التي يقوم عليها الكون، وإلا كذلك لما تقدّمت المجتمعات وازدهرت الحضارات، ولما كان رُسل وأنبياء أو دعاة ومصلحون، ولظلّت البشرية في تخبّطها وتيهها، محرنجمة متجمّدة أو متكلِّسة راكدة.

وهذا خلاف ما يريده الله بالإنسان الذي برأه ليعمّر هذا الوجود ويزرع فيه الحياة حتى والساعة تقوم!!
 ولكنني أقول ابتداءً كذلك: إن التغيير يجب أن يكون للأحسن لا للأسوأ وللخير لا للشر وللسموّ لا للهبوط وللتقدّم لا للتراجع، وأن يكون منطلقًا من مبادئ القوم الذين يجري فيهم يؤيدها ولا يعارضها أو يُضعفها، ومتساوقًا مع أفكارهم وعقائدهم لا مناقضًا لها أو مناكفًا، وموافقًا لمتطلباتهم لا معاكسًا، ومحترمًا لتاريخهم لا مستهينًا بأحداثه أو مهملًا لرجاله ومصغّرًا. يقوم فيه أصحابه بحرية رأيٍ واستقلال تفكير وذاتية قرار، بعيدًا عن أية توجّهات أو توجيهات أخرى معادية محلية أو إقليمية أو عالمية، ثم أن يكون ذلك عن مشورة ومحاورة ونقاش مع أهل العلم والاختصاص.
 وفي الموضوع الذي نحن بصدده أعني قضية المناهج، فهو على جانب عظيم من الأهمية، كما هو على جانب كبير من الحساسيّة، لأنه يتعلّق بحياة جيل أو أجيال، ملقاةٍ على عواتقهم واجبات ضخمة يرنون من خلالها إلى تطلّعات عليا .

وهم من أمة أقصد الأمة الإسلامية، ذات عقيدة معينة وتاريخ معروف. ولها أهداف عظمى وغايات جُلّى وصلت من منظورها كما أراد لها خالقها أن تكون خير الأمم بشرائطها المعروفة، من أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر وإيمانٍ بالله . وهي على مر تاريخها - وعلى أية حالٍ - مُحاربَة ومُهاجَمة، ولكنها على الدوام ورغم كثرة الأعداء، بقيت رقمًا صعبًا في الساحة الدولية ما دامت ملتزمة بتلك الشرائط المشار إليها.

وكان كل ذلك تبعًا لمناهجها التي تقررها على أجيالها، وأهمّها ولا شك كتاب الله الجليل وحديث رسوله الشريف. وهو مما لا يُماري فيه أحد من دارسي التاريخ أو الناظرين في خطها البياني في الحياة.

ومعلوم أن هذه الأمة اليوم في معترك الميدان، يوشك أن ينقضّ عليها الأعداء فيذبحوها، وقد كثرت سكاكينهم المصوبة إلى جسدها المكشوف!!
 ومعلومٌ أن هذه الأمة، وقد التقت في ميادين الصدام مع أعدائها – وقد عرفوا أنهم لا طاقة لهم بها في هذا السّاح، فهي ذات إيمان وسنان - أدركوا عن نظرٍ ومشاهدة وتفكّرٍ وتدبّرٍ ودراسة واستيعاب، أنها لن تُغلب إلا إذا أُفسِد تفكيرها وشوِّهَتْ ثقافتها وقُزِّمت أهدافها ونُسِّيت تاريخَها وخُرِّبت عقيدتُها، وشاتم أخلافُها أسلافَها، وأوهنت لغتها، وفكّكت وحدة مجتمعها الأولى الأسرة، فعملوا منذ قرن على الأقل على هذه السياسة الخبيثة بشكل واصب، وخاصة في غفلة الرقيب.

وكان معتمدهم الأول - كي يبلغوا غاياتهم المدخولة - على المناهج التي تُقرَّر لأبنائها وعلى المدى وبالتدريج وبأسلوب المخادعة والمخاتلة، فنجحوا ولكنْ ليس من أوّل ضربة، بل بعد ضربات وضربات، مع أن الأمة ما زالت حتى الآن ورغم كل الكيد تقاوم!!
 

ولقد تبدّت محاولات أعداء الأمة في هذا الأمر، وهو التلاعب بعناصر عزّها، وخلخلة تماسكها، وتغيير روابطها، وطعن لغتها في الصميم، وتوهين عقيدتها، وإلغاء عامل رفعتها، وكسر الحواجز النفسية بينها وبين هؤلاء الأعداء، إذ الكل سواء فلا فرق بين مسلمين وكافرين أو مفسدين ومصلحين، وأن مفهوم الفتح والجهاد فيها تخلّف ووحشية، وأن اللغة العربية لغة تقعّر وتعقيد ومن العُسر بمكان أن تُتقَن أو يُلتَزم بها، وأن المرأة عندها في ذل ومهانة، ورابطة القومية مقدّمة على رابطة العقيدة.

فأوحى هؤلاء إلى بعض أبنائنا ممن مهدوا لهم في البلاد أو أمروهم، أنْ تُكتب العربية بالحروف اللاتينية، وأن يُعتز برابطة الدم ويُتجافى عن رابطة الدين، وأن تخرج المرأة سافرة، وأن يُلغى الجهاد.

وقد وضعوا لكل ذلك مناهج على عيونهم، ومن هنا انتشر الخبث وَوُضِعَت لبلادنا الدساتير الأجنبية، ولم يعد للدين حرمة، مما كان من نتائجه احتلال البلدان وخراب العمران، وانقلاب المقاييس.
 

وكان من آثار ذلك أنْ هَزُلَت اللغة العربية في المؤسسات التعليمية وعلى أعلى المستويات، وضَعُف وازع الدين والأخلاق في النفوس، وأصبح زاد المتعلمين من القرآن والحديث قُلًّا، وانتشر التعرّي والسفور، وتفكّكت الأسرة على أصداء مؤتمرات المرأة وهي في حقيقتها مؤامرات عليها قاتلة، وأصبح المسلمون في بلادهم وهم يشكّلون أكثر من (95%) من السكان أضيع من الأيتام على مآدب اللئام، وانتشر الجهل الفاقع والأمية المقنّعة عند الآلاف من خريجي المدارس الثانوية بسبب سياسة الترفيع التلقائي، وامّحت في نفوسهم الثقافة وضاع التاريخ وأصبح معظم العلم تجارة، والمدارس أو الجامعات تكايا، فلا تنافس بين الطلاب في التحصيل ولا محاسبة جادة على التقصير، وضعفت هيبة المعلم سلطة ومكانة وعلمًا وفُتِحَ باب التمرد عليه من الطلاب. وكان يُلمح في أوطاننا أو يُلمس لمس اليد الأصابع الغريبة أو من ينوب عنها في لجان المناهج، مع مراعاة طلب رضا الرسميين عما يُقرّر فيها.
 

ولا شك أن المستهدف الأول من هذه السياسات المدخولة في دائرة المناهج موادّها الأساسية وهي: اللغة العربية والدين والتاريخ، ومن هنا عندما بدت طلائع هذه السياسة عندنا بشكل بارز - بعد سنوات طويلة من العمل للتخريب في المناهج بُغية أنْ يتخرّج عليها أجيال ذات جهل بلغتهم ودينهم وتاريخهم، أو على الأقل ذات زاد هزيل منها ومشوّه - أعلنت وزارة التربية والتعليم أواسط السبعينيات من القرن الماضي يوم كان مسؤولها الدكتور عبد السلام المجالي، تخفيضَ حصص العربي والدين والتاريخ في المناهج بحجج واهية، غير أنه قامت في البلد حينها ضجّة كبرى عليها في الأوساط الشعبية والعلمية والدينية، وقام عدد من وجهاء البلد وأعيانه، ينكرون على الوزارة هذه السياسة الفجّة مما عطّلها، ولو إلى حين، حتى عادت اليوم تُطل برأسها على يد الوزارة نفسها وبحجج غير مقنعة البتة كذلك. وهي تعبّر عن الأغراض نفسها وإنْ بصور مختلفة تلك التي بدأ فحيحُها منذ أكثر من قرن...

بقلم: 
د. علي العتوم

تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.

تعليقات