المال السياسي يهدد نزاهة الانتخابات النيابية في الأردن

المال السياسي يهدد نزاهة الانتخابات النيابية في الأردن
  قراءة
property="content:encoded">

أثار اتساع مساحة المال الأسود (المال السياسي)، في الأردن مع اقتراب الانتخابات النيابية المقرر أن تجرى في سبتمبر/أيلول الجاري مخاوف الأردنيين من أن يهدد العملية الانتخابية ونتائجها من سيطرة أصحاب المصالح على البرلمان القادم.

رواج المال السياسي أثناء العملية الانتخابية

يرى مراقبون أن ما يعزز انتشار المال السياسي في الأردن هو استغلال حاجة المواطنين بسبب تردي أوضاعهم المعيشية، ما يدفع بعضهم إلى بيع أصواتهم تحت الابتزاز.

فتحت عنوان "الفقر والديمقراطية لا يجتمعان" كقاعدة أساسية في علم الاجتماع السياسي، تفسر رئيسة الجمعية الأردنية لعلم الاجتماع الدكتورة، عبلة الوشاح، هذه الممارسات في ظل ما يشهده المجتمع من حالات فقر وعوز وبطالة تدفع بهم إلى التعامل مع المرشح الأقوى ماليًّا؛ لتلبية بعض احتياجاتهم وربما إيجاد حلول لبعض مشكلاتهم التي عجزت الجهات المعنية عن تقديمها، لكنها أعلنت رفضها لهذه الممارسات.

ومن جانبه يرى الوزير والنائب الأسبق الدكتور ممدوح العبادي أن بعض المرشحين يستغلون جيوب الفقر لجلب أصوات القاطنين في هذه المناطق لصالحهم، الأمر الذي يؤثر على إرادة الناخبين وشراء أصواتهم لكسب المنافع الشخصية.

واعتبر العبادي أن مصطلح "المال السياسي" هو مصطلح يُستعمل عادة في وصف "الرشوة" التي يقدمها بعض المرشحين الذين لديهم إمكانات مادية لاستجلاب أصوات الناخبين في فترة الانتخابات النيابية.

وفي السياق أشار مسؤول حزب الجبهة الموحدة بالكرك، طايل الشواورة، إلى أن المال السياسي أو ما يُعرف بالمال الأسود يأخذ أشكالًا متعددة لا يقتصر على دفع مبالغ مالية مباشرة مقابل حجز البطاقات، بل يضم تقديم الهدايا والتبرعات والمساعدات وعقود توظيف مؤقتة ووعود مستقبلية؛ فجميعها توظف لخدمة المترشح صاحب النفوذ الاقتصادي، محذرًا من خطورة وتداعيات المال السياسي على حرية الناخبين.

وبدوره أكد وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة أن حالة الإحباط العام واهتزاز الثقة بأداء مجلس النواب وارتفاع معدل الفقر وعدم اقتناع المواطن بحضور النائب تدفع العديد من المواطنين إلى اللجوء للمال السياسي وبيع صوته في الانتخابات، مضيفًا أن هناك من يقومون بشراء الذمم عبر المال الأسود الذي يعمل على هدم حياة المجتمع.

وقال: على الحكومة أن تعمل من الآن على إيقاف أي شخص يدفع لهيئة أو نوادٍ أو طرود خيرية باسم أشخاص مرشحين لخوض الانتخابات النيابية المقبلة لعلاقته بهذه العملية.

مخاوف من إفرازات المال الأسود

وفي هذا الصدد قال الخبير الاقتصادي منير حمارنة: المال السياسي من الأمور الضارة بالعملية الانتخابية؛ حيث تفرز أشخاصًا غير مؤهلين وليست لديهم المقدرة على التشريع والرقابة على أداء الحكومة، وكذلك وضع ومناقشة السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية للدولة.

وأكد أهمية تكثيف حملات التوعية لتعريف المواطنين بمخاطر بيعهم أصواتهم مقابل مبالغ معينة، لأن الخاسر الأكبر هم المواطنون أنفسهم؛ حيث سيتحملون أعباء التشريعات والسياسات الخاطئة التي يوافق عليها البرلمان.

وقال: إن المرحلة المقبلة تتطلب انتخاب برلمان قادر على تحمل مسؤولياته إزاء التحديات التي تواجه الأردن محليًّا وخارجيًّا، وكذلك الاستحقاقات المترتبة على برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تعتزم الحكومة الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي وغيرها.

هذا وقدر الخبير الاقتصادي حسام عايش، في تصريحات سابقة، حجم المال السياسي، الذي يُنْفَق على الانتخابات البرلمانية في الأردن بما يتراوح بين 25% و40% من إجمالي ما ينفقه المرشحون في كل دورة انتخابية والبالغ حوالي 140 مليون دولار، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومنها الهدايا وتسديد الفواتير وغيرها، وأشار إلى عدم وجود رصد رسمي لإجمالي الإنفاق على الحملات الانتخابية.

دور الحكومة والجهات الرقابية

قال الناطق الإعلامي للهيئة المستقلة للانتخاب جهاد المومني: بالنسبة لموقف الهيئة من المال السياسي الذي يُستخدم في "الحملات الانتخابية" فهو مال مسموح به شريطة مراقبته وإخضاعه للمحاسبة القانونية، أي أن يخضع هذا المال للتعليمات التنفيذية الصادرة عن الهيئة والتي أقرت سقفًا أعلى محددًا للصرف في الحملات الدعائية قدره 5 دنانير عن كل ناخب في الدوائر الكبرى وذات الوضع الاقتصادي الجيد مثل دوائر عمان وإربد والزرقاء، ومبلغ 3 دنانير عن كل ناخب في بقية دوائر المملكة ، كما تفرض التعليمات التنفيذية على المرشحين في القوائم فتح حساب بنكي خاص بالقائمة ينتهي مع نهاية الانتخابات، ويكون هذا الحساب البنكي خاضعًا للرقابة المحاسبية بموجب سندات قبض وإيصالات رسمية.

أما ما يتعلق بـ(المال الأسود) الذي يُسمى أيضًا (المال القذر) فهو المال الذي يُستخدم لشراء الذمم والعبث بإرادة الناخبين بهدف تغيير قناعاتهم للتصويت لشخص معين أو دعوتهم للمقاطعة أو التأثير سلبًا بشكل مباشر أو غير مباشر في سير العملية الانتخابية، وهذا النوع من المال يحاسب عليه القانون وتراقبه الهيئة؛ حيث تنص المادة 59 من قانون الانتخاب على أنه يعاقب بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات كل من "أعطى ناخبًا مباشرة أو بصورة غير مباشرة أو أقرضها أو عرض عليها وتعهد بأن يعطيه مبلغًا من المال أو منفعة أو أي مقابل من أجل حمله على الاقتراع على وجه خاص أو الامتناع عن الاقتراع أو للتأثير في غيره للاقتراع أو الامتناع عن الاقتراع، أو إذا قبل أو طلب مباشرة أو بصورة غير مباشرة مبلغًا من المال أو قرضًا أو منفعة أو أي مقابل آخر لنفسه أو لغيره بقصد أن يقترع على وجه خاص، أو أن يمتنع عن الاقتراع أو ليؤثر في غيره للاقتراع أو الامتناع عن الاقتراع".

وأشار المومني إلى أن الرهان يبقى على وعي المواطن قبل تطبيق القوانين، والهيئة تهيب بالمواطنين الحذر من المتصيدين للفرص والانتهازيين الذين يستغلون حاجات الناس، أو يسعون لإفساد عملية الانتخاب بالتأثير على إرادة الناخبين مقابل المال، وعدم التعامل مع إرادتهم على أنها بضاعة تشترى وأن على المواطن رفض المال القذر، بل والإبلاغ عنه.

وكان رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب، خالد الكلالدة أكد، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن الهيئة ستقوم بتحديد سقوف مالية للمرشحين في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجرى وفقًا لنظام القوائم المفتوحة، مشيرًا إلى أنها ستختلف من دائرة إلى أخرى بحسب التكلفة.

وقال الكلالدة: إن الأسقف المالية تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب تكلفة وطبيعة الحياة في المنطقة ومستوى المعيشة فيها.

في الوقت ذاته انتقد العبادي أداء الهيئة بقوله: "لم تعلمنا لغاية الآن عن تحويل أي شخص إلى القضاء بالرغم من وجود العديد من الشبهات المتعلقة باستخدام المال السياسي".

ويعلق وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة بأنه مهما كانت إجراءات الهيئة المستقلة للانتخاب فلن تستطيع الحكومة أو الدولة أن تضع مراقبًا على رأس كل مرشح خصوصًا أن عملية شراء الأصوات تتم عبر وسطاء.

وحول السبل والإجراءات التي يمكن أن تسهم في الحد من وجود المال السياسي وانتشاره لاسيما في فترة الانتخابات قال العبادي: يمكن التصدي لذلك عبر "المراقبة الحديثة" عبر أجهزة الدولة المختلفة والهيئات المتخصصة التي تستطيع أن تكشف من يتعامل بالمال السياسي، وتحوله إلى الهيئة المستقلة للانتخاب والتي بدورها تقوم بتحويلهم إلى القضاء بموجب القانون.

وبصفة رقابية، يعتزم التحالف المدني لمراقبة الانتخابات (راصد) هذا العام العمل وفق منهجيات مستوحاة من مجموعة ممارسات دولية فضلى حول موضوع مراقبة الحملات الانتخابية، وسيتم تقديم وعرض أي انتهاكات يتم رصدها خلال فترة الحملات الانتخابية إلى الجهات المعنية بهدف فرض سيادة القانون على المخالفين.

بالإضافة إلى ذلك دعا الحباشنة المواطنين إلى الوعي والانتماء للوطن وإعادة المكانة والهيبة لمجلس النواب، إضافة إلى اختيار من يمثلنا في المجلس القادم والابتعاد عمن يقوم بشراء الأصوات لأن من يلجأ لهذه العملية يبيع المواطن مع بعض الربح.

دعوات لمحاربة المال السياسي

فقد دعا التحالف الوطني لمراقبة الانتخابات (راصد) للحد من انتشار المال السياسي، موضحًا أن الممارسات التي حدثت سابقًا فيما يتعلق بانتشار المال السياسي يحتم على الهيئة المستقلة للانتخاب والجهات المعنية القيام بالحد من انتشاره في الانتخابات القادمة، لافتًا إلى أن القانون الحالي قد أورد بعض المواد الخاصة بالمال السياسي، وإن كانت عمومية وليست محددة، إلا أننا نتطلع إلى التعليمات التنفيذية التي تصدرها الهيئة بخصوص الحملات الانتخابية.

كما طالب عدد من ممثلي الأحزاب والنقابات المهنية والأكاديميين والقطاعات النسائية والشبابية والشعبية في محافظة عجلون الناخبين بمحاربة المال السياسي لما له من مردود سلبي على الأداء البرلماني.

وأشاروا إلى أهمية انتخاب مرشحين ممن يمتلكون الخبرة والكفاءة لإيجاد مجلس برلماني قوي يستطيع تلبية متطلبات المرحلة المقبلة في التشريع والرقابة ومحاربة الفساد، داعين إلى تفعيل وملاحقة الأشخاص الذين يستخدمون المال الأسود ويستغلون ذوي الأنفس الضعيفة وأصحاب الحاجة.

وقال عضو بلدية الجنيد حسين المومني: إنه يتوجب على الناخبين إيلاء الانتخابات النيابية المقبلة أعلى درجات الحيطة والحذر من أجل اختيار نواب يمتلكون مقومات الكفاءة والخبرة ليكونوا قادرين على مراقبة الأداء الحكومي والمضي بالخطوات الإصلاحية التي تعود بالنفع والفائدة على المواطنين.

ودعا المومني الناخبين إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار الأفضل بعيدًا عن أصحاب النفوذ والمال والذين يستثمرونها عند أصحاب الحاجة وضعاف النفوس؛ حيث أصبح مطلوبًا منا توعية المواطنين بسلبيات استخدام المال السياسي.

ووافقه الصحافي محمود العبود؛ حيث قال: إن عملية اختيار الناخب للمرشح تشكل فرصــة حقيقية لاختيار الأفضل لتحقيق الإنجازات الحقيقية والمتطلبات الرقابية والتشريعية، وهذا يتطلب اختيار مرشحين نتوسم فيهم الخير من أجل إيصالهم إلى قبة البرلمان، مطالبًا الناخبين بالوقوف صفًّا واحدًا لمحاربة المال السياسي الذي يفسد العملية الانتخابية.

الإفتاء تحرم الرشوة السياسية

أكّدت دائرة الإفتاء العام عددًا من الضوابط والأحكام، التي تتعلق بالانتخابات النيابية، عبر بيان أصدرته الأحد الماضي نصّ على أن الانتخابات وسيلة شرعية لاختيار النواب الذين يمثلون الأمة.

وقالت الدائرة في البيان: إن الانتخاب والترشح من حقوق المواطن السياسية والتي يجب على الدولة أن تضع النظام اللازم لإجرائها، وضمان سلامتها ونزاهتها؛ ليصل الكفء إلى المكان المناسب.

واعتبرت أن على من يرشّح نفسه تجنب التأثير على إرادة الناخبين بالمطامع الدنيوية والعصبيات المقيتة، كما يحرم تقديم الأموال والرشاوى، وأن على الناخب كي يبرئ ذمته أمام الله تعالى، ويقوم بهذا الواجب الكبير أمرين هما: "اختيار الأصلح والأفضل للقيام بهذه المهمة العظيمة، وهذا يتطلب أن يختار المرشح القوي بعلمه وتخصصه، والأمين على مصالح البلاد والعباد، والثاني هو أن يشارك الناخب بصوته بحرية، وبما يمليه عليه دينه وضميره، دون أن يتأثر بأعطيات أو هبات؛ لأن الإدلاء بالصوت إدلاء بشهادة، وهذه لا تصلح أن تكون محلًّا للبيع أو المساومة، وأي مال يتقاضاه نتيجة ذلك مال حرام، سيسأل عنه أمام الله تعالى".


تعليقات