أسطورة التحالف التركي – الروسي – الإيراني.. دعاية سياسية لتعميق الهوّة بين تركيا والدول الإقليمية

أسطورة التحالف التركي – الروسي – الإيراني.. دعاية سياسية لتعميق الهوّة بين تركيا والدول الإقليمية

شهدت الفترة الممتدة بين 9 و12 أغسطس حراكًا دبلوماسيًّا بين تركيا وروسيا من جهة، وتركيا وإيران من جهة ثانية، حيث زار الرئيس رجب طيب أردوغان سان بطرسبرغ للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بصحبة وفد كبير من المسؤولين، كذلك زار وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أنقرة، والتقى بوزير الخارجية التركية، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية.
وما أن انتهت هذه الزيارات حتى بدأ الحديث عن مثلّث روسي- تركي- إيراني، والبعض تجاوز الحديث عن مثلث إلى الكلام عن المحور الروسي- التركي- الإيراني، أو ما سمّوه لاحقًا بالتحالف الروسي- التركي – الإيراني.

لا شكّ في أنّ هناك دولًا عديدة شرقًا أو غربًا تسعى لاستقطاب تركيا في هذا التوقيت الحسّاس، فيما يتعلق بالملف السوري على وجه الخصوص، لكنّ ذلك لا يخوّلنا الحديث بشكل أوتوماتيكي عن تحالف، إذ لا تشير المعلومات، ولا التحليلات كذلك إلى مثل هذا التوجّه، على الأقل بالنسبة إلى الجانب التركي، فضلًا عن حقيقة أنّ ما يحمله التحليل من أدلة يشير إلى عكس ذلك تمامًا، وهو ما يعني أنّ الحديث عن تحالفات هو بمنزلة أمان لا أكثر.
لا شك في أنّ الانفتاح بين روسيا وتركيا ينبع من وجود مصالح مشتركة، لاسيما من الناحية الاقتصادية، وهناك اتفاق على تطبيع سريع للعلاقات، لكن اللقاء الذي جمع أردوغان ببوتين لم يحقق خرقًا استثنائيًّا فيما يتعلق بالمصالح الأمنيّة، أو بالقضايا الإقليمية، وعلى رأسها الملف السوري.

يحاول الطرفان الانطلاقَ من القواسم المشتركة للوصول إلى حل فيما يتعلق بأساس الخلاف، لكنّ ذلك ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق، ولا يمكن توقّع التوصّل إليه سريعًا.

اجتماع الآلية الثلاثية
على الصعيد الأمني، تمّ تشكيل آلية ثلاثية تضم ممثلين عن الجيش والاستخبارات والخارجية بين الطرفين، هدفها تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق للحد من إمكانية وقوع حوادث على شاكلة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر  العام الماضي.

في 10 أغسطس اجتمع أعضاء هذه الآلية الأتراك بنظرائهم الروس، لكن لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق واضح بشأن طبيعة عملهما، وإن ركزا على القضايا اللوجستية المتعلقة بمكافحة الإرهاب.
خلال النقاشات، تمسك الجانب الروسي بطلباته السابقة فيما يتعلق باتفاق وقف الأعمال العدائية، وإخراج المدنيين من حلب وتسليم المعارضة لأسلحتها، لكن الجانب التركي رفض هذا الأمر، مذكّرًا بأنّ الأسد وحلفاءه هم من خرقوا ويخرقون الاتفاق بشكل دائم، كما طالب الجانب الروسي بضرورة إغلاق الحدود التركية والمساعدة على تحديد مواقع تنظيم داعش، فيما طرح الجانب التركي موضوع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني.
في نهاية الاجتماع، وعد كل طرف بمتابعة ما تم بحثه من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الاختلافات الرئيسية بين البلدين بقيت قائمة كما كانت عليه في السابق، لاسيما ما يتعلق بمصير الأسد، وأن هذه العقدة لا تسهل عمل الطرفين في الملف السوري، رغم حرص كل منهما على أن ينطلقا من العامل الأمني المتمثّل في محاربة الإرهاب كعامل مشترك.

زيارة مبرمجة
في 12 أغسطس، زار  وزير الخارجية الإيراني أنقرة، والتقى المسؤولين فيها، وعلى الرغم من أنّ المراقبين ربطوا بشكل مباشر بينها وبين لقاء أردوغان – بوتين، فإنّ الزيارة كانت مبرمجة بشكل مسبق، كما أنّ الهدف الأساسي لها كان التضامن مع السلطات التركية في إفشال المحاولة الانقلابية.

أمّا في الموضوع السوري فلم يحمل ظريف معه أي فكرة جديدة أو موقفًا جديدًا، ولم يكن هناك أي تحوّل في الموضوع على الإطلاق.
كل ما في الأمر أنّ موسكو وطهران حاولتا وتحاولان الآن استغلال الخلاف التركي- الأمريكي والتركي – الأوروبي لمحاولة جذبها إلى مدارهما، وهذا أمر مفهوم بطبيعة الحال، ويقوم الجانب التركي بالاستفادة منه للضغط على الأمريكيين والأوروبيين ولمحاولة البحث عن حلول أيضًا في الوقت نفسه، ليس من خلال التنازل أو التراجع أو الاستسلام، وليس من خلال الانضمام إلى محاور كما قد يريد الجانب الروسي والإيراني، وإنما من خلال إزالة العقبات ذات الطابع الثنائي التي من شأنها أن تمنع مناقشة الملفات الخلافية ذات الطابع الإقليمي بشكل عقلاني.
ضمن هذا السياق يجب أن نفسر رغبة تركيا في تحسين علاقاتها الثنائية مع روسيا وإيران، إذ إنّ المسؤولين الأتراك يعتقدون أنّ تحسين العلاقات الثنائية سيخلق مناخًا إيجابيًّا يتيح على الأقل مناقشة الملفات الخلافية أو النقاط المستعصية من دون تعصّب أو تشنّج، وضمن السياق نفسه يجب أن نفسّر تصريحات بعض المسؤولين الأتراك إزاء الملف السوري، أمّا الحديث عن تحالف فلا مؤشرات على وجوده، ولا أعتقد أنّه سيكون موجودًا في أي وقت قريب على الصعيد الإقليمي، فالكلام عن هذا الأمر مجرد دعاية سياسية هدفها تعميق الهوّة بين تركيا وبعض الدول الإقليمية على وجه التحديد، وتعميق الخلاف بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتركيا وأمريكا.

الموقف الكردي
وبالرغم من ذلك هناك من يحاول أن يبني مثل هذا التصوّر على بعض المؤشرات، كالاشتباك الأخير بين قوات النظام السوري وميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني التابعة لصالح مسلّم، ففي مقابلته مع القبس، أشار صالح مسلّم زعيم هذه الميليشيات الكرديّة إلى أنّ الأسد يحاول أن يتقرب من تركيا بقصفهم، كما اتهم بيان لوحدات حماية الشعب «داعش» بأنّها أداة للأسد، لكنّ مثل هذه الاشتباكات ليست جديدة، وسبق أن حصلت اشتباكات سابقًا تبيّن أنّ الصراع فيها كان على النفوذ وعلى السيطرة على مزيد من الأراضي بين الطرفين، وهو ما أكّده هذه المرّة أيضًا بيان قوات الأسد، فضلًا عن حقيقة أنّ الأخير هو صاحب الفضل إن صح التعبير في وصول الميليشيات الكردية إلى هذه المرحلة، منذ أن قام بالانسحاب من مناطق واسعة في شمال سوريا بداية الثورة السورية، وسلّمها لها بشكل رسمي، بغية استخدامها أداة في وجه تركيا.
الجانب التركي ينظر اليوم إلى هذه الميليشيات الكردية على أنها خطر إرهابي يتهدده، فضلًا عن حقيقة تهديدها لوحدة الأراضي السورية، وهو الأمر الذي يثير حساسية الجانب الإيراني، خوفًا من انتقال العدوى إليه، لكن حتى هذه اللحظة لا يوجد اتفاق على كيفية حل هذه المشكلة أو مواجهتها.

طرح يلدريم
أمّا فيما يتعلق بتصريح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الأخيرة، حول إمكانية اعتبار الأسد طرفًا في مرحلة انتقالية، فهذا الأمر ليس جديدًا على الإطلاق، وتمّ طرحه مرات عديدة خلال أكثر من عام، وكان وما زال يرتبط بشروط لم يقبل الجانب الروسي بها، أهمّها الإعلان في المقابل عن موعد محدد لرحيله نهائيًّا عن السلطة خلال بضعة أشهر فقط، مع ضمانات علنية روسية بهذا الخصوص، وهو الأمر الذي رفضته روسيا آنذاك ولا تزال ترفضه حتى هذه اللحظة، ما يعني أنّه لا تقدّم على هذا الصعيد أيضًا، وهذه التصريحات لا تعدو كونها محاولة لإعادة فتح الموضوع من جديد.

بقلم: 
علي حسين باكير



تنويه: مقالات الرأي المنشورة بشبكة الدرر الشامية تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي أو موقف أو توجه الشبكة.